
انسحاب أزواد من كيدال.. خطوة تكتيكية أم بوابة للحوار؟
تفتح استعادة الجيش المالي مدينة كيدال الاستراتيجية، في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد نحو 6 أشهر من سيطرة جبهة تحرير أزواد عليها، مرحلة من التساؤلات حول ما إذا كان الصراع في شمال مالي ينتقل من المواجهة المسلحة إلى طاولة التفاوض، أم أنه إعادة تموضع تمهيداً لجولة جديدة من القتال.
ويحدد تقرير وكالة الأناضول أن مقاتلي جبهة تحرير أزواد ومسلحين من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة شنوا في أبريل/نيسان هجمات واسعة في أنحاء مالي، تمكنوا خلالها من السيطرة على كيدال التي تبعد 1500 كيلومتر عن العاصمة باماكو.
وتخللت تلك الهجمات ضربة قوية للمجلس العسكري الحاكم، إذ استُهدف مقر إقامة وزير الدفاع ساديو كامارا بمدينة كاتي قرب باماكو بسيارة مفخخة، قبل أن يصاب الوزير وتوفى لاحقاً متأثراً بجروحه.
وتحمل كيدال ثقلاً رمزياً يتجاوز موقعها الجغرافي، فهي المعقل التاريخي للحركات الأزوادية منذ اندلاع التمرد في 2012، وظلت لسنوات خارج سيطرة الجيش الوطني، ويمنحها موقعها القريب من الحدود الجزائرية دوراً محورياً في أي ترتيب أمني أو سياسي للشمال، وهو ما يفسر حساسية العودة إليها عسكرياً.
وفي السياق ذاته، توصف جبهة تحرير أزواد انسحابها من كيدال بأنه “استراتيجي ومضبوط”، وتعتبره إجراءً عملياتياً مؤقتاً يستهدف الحفاظ على قدراتها البشرية واللوجستية.
وتربط القرار بالضغط الذي شكلته العمليات الجوية التي نفذها الجيش المالي بدعم من شركائه الروس، فيما دخلت القوات المالية وشركاؤها الروس المدينة دون قتال.
ويعيد المشهد ترتيب أولويات باماكو، إذ تتجه السلطات إلى تعزيز وجودها في المدينة تمهيداً للعودة التدريجية للإدارة والخدمات العامة، ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تحمل دلالة سياسية أكثر منها عسكرية، لأنها تستهدف إثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها في أقصى الشمال بعد أشهر من التراجع.

باماكو آمنة
وفي المقابل، يرسم خبير في الشأن المالي يقيم في باماكو، مفضلاً عدم كشف هويته لدواع أمنية، صورة مختلفة عن العاصمة، ويرى أن باماكو أصبحت آمنة ومستقرة وخطوط الإمداد عادت تعمل بصورة طبيعية، وأن أحداث الشمال في كيدال وغيرها لا تأثير لها في الوضع الحالي رغم تكبد الجيش خسائر كبيرة.
ويرجح أن اتفاق الجزائر كان له تأثير في استقرار العاصمة وحصر المعارك في الشمال، ويتوقع وجود أجندة سياسية متفق عليها تقضي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة لجهة منتخبة.
من جهة أخرى، يرفض الناطق باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان قراءة الانسحاب بوصفه هزيمة، ويوضح أن الانسحاب محكم ومنظم ومجرد عملية استراتيجية، وأن لديهم استراتيجية بإخلاء كيدال والنظر في أمور أخرى، فالانسحاب متعلق بأمور عسكرية بحتة.
ويشدد على أن مستقبل مالي مشروط بإيجاد حلول عادلة للقضية الأزوادية، وأن عدم الاستقرار سيستمر ما لم توجد حلول تلبي تطلعات الشعب الأزوادي، مؤكداً أن المعارك ستستمر.
وعلى النحو نفسه، يقرأ أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر عمار سيغة التطورات بوصفها مؤشراً على أن المقاربة العسكرية أصبحت على المحك.
ويشير إلى أن التكلفة الباهظة للمقاربة العسكرية، إضافة إلى ضغوط إقليمية ودولية ودور جزائري في رعاية اتفاق السلم والمصالحة الموقع عام 2015، تدفع نحو تغليب الحل السياسي، ويلفت إلى أن انسحاب القوات الأزوادية من كيدال يفتح فرصاً حقيقية قد تساهم في إحياء المسار التفاوضي وتحويل الملف من نبرة عسكرية تصادمية إلى منطق التوافق الشامل والحوار.
بيد أن سيغة ينبه إلى أن السيناريوهات تبقى مفتوحة لكل الاحتمالات، وأن العودة للعمل المسلح واردة إذا فشل أي تفعيل جديد لاتفاق الجزائر، ويرى أن الطرفين، جبهة تحرير أزواد والجيش المالي، قد يستغلان الهدوء لتنظيم الصفوف وتأمين خطوط الإمداد في العمق الصحراوي، تحسباً لأي سيناريوهات محتملة.

دخول الجيش لا يعني نهاية الحرب
وخلافاً لهذا التفاؤل الحذر، يعتبر الباحث الموريتاني في شؤون دول الساحل والصحراء محمدن أيب أيب أن دخول الجيش المالي إلى كيدال لا يعني نهاية الحرب، ويوضح أن الحيز الجغرافي يمتد إلى حدود الجزائر ومنطقة تودن، نحو 1200 كيلومتر شمال باماكو، وهي صحراء واسعة قاحلة لا أثر فيها للوجود المالي.
ويربط الانسحاب بالغطاء الجوي الذي وفره الروس للجيش المالي، ويتوقع أن الاستقرار لن يتحقق إلا بغلبة السلاح أو العودة إلى المفاوضات بين جبهة تحرير أزواد ومالي.
ولا تقف تداعيات المشهد عند البعد العسكري، إذ يفرض النزوح المتكرر في الشمال أعباءً إضافية على دول الجوار، ويمس خطوط التجارة والرعي التي تشكل عصب الاقتصاد المحلي، ويضاعف اتساع الصحراء وغياب الخدمات من هشاشة أي ترتيب أمني لا يستند إلى حضور إداري دائم ومقبول لدى السكان المحليين.
ويخلص المشهد إلى أن استعادة كيدال، رغم دلالتها العسكرية، لا تحسم مصير الصراع في شمال مالي، فبين خبير يرى العاصمة مستقرة وأجندة انتخابية تلوح، وجبهة تصف انسحابها بالاستراتيجي وتتمسك بالحل السياسي، وباحث يحذر من أن الحرب لم تنته، يبقى السؤال معلقاً: هل تنتقل مالي فعلاً من الجبهة إلى التفاوض، أم أن الهدوء الحالي ليس سوى استراحة قبل جولة جديدة من القتال؟
المصدر: الأناضول



























إرسال التعليق