
ماذا يجري في الصحراء بين ليبيا وتشاد والسودان؟
عبد الله آدم – تتحول المناطق الصحراوية الممتدة من جنوب ليبيا إلى شرق تشاد ودارفور إلى مجال أمني واحد بفعل الحرب السودانية.
فالحدود الرسمية لا توقف حركة السلاح والوقود والمقاتلين، بينما تعيد الأطراف المسلحة والوسطاء المحليون تنظيم طرق الإمداد وفق موازين القوة المتغيرة على الأرض.
الحرب السودانية تعيد رسم طرق الإمداد
تقول المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود إن الحرب السودانية أعادت تنشيط شبكات قديمة في ليبيا وتشاد، وحولتها إلى مسارات لنقل السلاح والوقود وتجنيد المقاتلين وتأمين القوافل. ومع اتساع العمليات العسكرية في دارفور، لم تعد هذه الطرق مجرد قنوات للتهريب، بل أصبحت جزءًا من البنية اللوجستية التي تتيح للمليشيات المسلحة مواصلة القتال.

وتشير الدراسة إلى أن طرق الإمداد التي كانت تمر عبر شرق تشاد تعرضت لضغوط متزايدة منذ عام 2024، ما دفع بعض العمليات إلى التحول نحو جنوب ليبيا. وبرزت مناطق قريبة من الحدود الثلاثية بين ليبيا وتشاد والسودان كمراكز لتجميع المركبات والمعدات وإعادة توجيهها نحو دارفور.
وتظهر في هذه البيئة حدود غير واضحة بين النشاط العسكري والاقتصاد غير الرسمي. فالقوافل تحتاج إلى حماية، والعبور يفرض رسومًا، والوسطاء ينسقون بين ناقلي السلاح والمقاتلين والجهات التي تسيطر على نقاط الحركة. وهكذا أصبحت السيطرة على الطريق الصحراوي مصدرًا للمال والنفوذ في الوقت نفسه.
جنوب ليبيا ودور القوات المرتبطة بحفتر
تشير تقارير بحثية إلى أن تشكيلات مرتبطة بالقوات العربية المسلحة الليبية في سبها والكفرة ومرزق والقطرون شاركت في تأمين بنية تحتية وممرات صحراوية ومراقبة الوصول إليها. كما رصدت تحليلات متخصصة انتقال جزء من طرق الإمداد نحو جنوب شرق ليبيا، بعد تزايد الضغوط على الطرق الواقعة داخل شرق تشاد.
وأوردت صحيفة ليبيا أوبزرفر، استنادًا إلى تحليل صور فضائية أجرته منصة إيكاد للتحقيقات مفتوحة المصدر، مؤشرات على ظهور طرق نقل تمتد من جنوب شرق ليبيا باتجاه تشاد والسودان. وتظهر الصور حركة مركبات وشاحنات على مسارات تقع خارج المعابر الرسمية، بما يشير إلى استمرار استخدام طرق صحراوية غير معلنة.

وتعزز هذه المعطيات مكانة الجنوب الليبي بوصفه منطقة عبور وتجميع وإعادة توزيع. غير أن طبيعة الشحنات والجهات التي تتحكم في كل مسار تختلف من منطقة إلى أخرى، ولا يمكن اختزال المشهد في إدارة مركزية واحدة. فالممرات تتأثر بتوازنات محلية، وبقدرة القوات المسيطرة على توفير الحماية، وبالطلب المتزايد على الوقود والسلاح داخل السودان.
توثق أممي لشبكات الدعم الخارجي
أكدت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، في سبتمبر/أيلول 2026، أن جهات خاصة ووسطاء لوجستيين ومجندين عملوا عبر عدة دول لتوفير أفراد وتدريب وأسلحة ودعم لوجستي لقوات الدعم السريع. وذكرت البعثة أن مواقع عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا استُخدمت ضمن هذه الشبكات.
ويكشف التقرير الأممي أن الحرب لم تعد تعتمد فقط على الموارد الموجودة داخل السودان. فقد أدى الدعم الخارجي إلى تحسين قدرات مليشيا الدعم السريع، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتقدمة، وأتاح نقل العمليات إلى مناطق أبعد من خطوط الجبهة التقليدية.

وتحذر البعثة من أن استمرار هذه الشبكات يفاقم الأضرار التي يتعرض لها المدنيون، ويدعو إلى تطبيق حظر الأسلحة المفروض على دارفور والتحقيق مع الأفراد والجهات التي تمول أو تسهل عمليات النقل والتجنيد.
تشاد في قلب الارتداد الإقليمي
تواجه تشاد ضغطًا مباشرًا بسبب تداخل الحدود مع دارفور والروابط القبلية والاقتصادية بين سكان المناطق الحدودية. ووفق المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، تحولت الحدود التشادية السودانية إلى نقطة احتكاك بين مسارات الإمداد والقوى التي تحاول قطعها أو حمايتها.
وفي فبراير/شباط 2026، امتدت اشتباكات مرتبطة بالحرب السودانية إلى منطقة الطينة داخل تشاد، ما أسفر عن مقتل جنود تشاديين ومدنيين. وبعد ذلك أعلنت نجامينا إغلاق حدودها الشرقية إلى أجل غير مسمى، في إشارة إلى تراجع قدرة الترتيبات غير الرسمية على احتواء العنف.

ولا يقتصر الخطر على العمليات العسكرية المباشرة. فإغلاق الحدود لا يلغي اقتصادها، بل قد يرفع قيمة الطرق التي تبقى مفتوحة ويمنح الوسطاء والجماعات المسلحة قدرة أكبر على التحكم في حركة الأشخاص والبضائع. كما أن بعض المقاتلين التشاديين انضموا إلى القتال في السودان، مدفوعين بالحصول على المال والسلاح وبناء علاقات جديدة مع أطراف النزاع.
وتضع هذه التطورات الحكومة التشادية أمام معادلة صعبة. فهي مطالبة بمنع انتهاك أراضيها، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن يؤدي التصعيد إلى استنزاف قواتها أو إلى تنشيط جماعات معارضة تستفيد من الفوضى الحدودية.
دارفور مركز الصراع العابر للحدود
تحتل دارفور موقعًا مركزيًا في هذه الشبكات بسبب امتدادها الجغرافي واتصالها المباشر بتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. ومع تصاعد القتال، أصبحت المنطقة نقطة تجمع للقوات والأسلحة وممرًا للوقود والذهب والمقاتلين.
وحذرت الأمم المتحدة، بعد سقوط الفاشر، من أن اتساع العمليات في دارفور وكردفان يهدد بتوسيع النطاق الإقليمي للحرب. كما أدى النزوح الجماعي إلى زيادة الضغط على تشاد ودول الجوار.
وتظهر بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 11.3 مليون شخص نزحوا قسرًا بسبب الأزمة حتى 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بينهم أكثر من 4.6 مليون شخص غادروا السودان إلى دول أخرى بوصفهم لاجئين أو طالبي لجوء أو عائدين.

ويؤدي الذهب دورًا مهمًا في تمويل اقتصاد الحرب. فالمناطق التي تسيطر عليها جماعات مسلحة توفر مصدرًا للذهب، بينما تسمح طرق التهريب بتحويله إلى وقود أو أسلحة أو أموال. وبذلك تتشابك الموارد الطبيعية مع حركة المقاتلين وعمليات النقل والحماية.
الجزائر ومخاطر التدهور جنوبًا
تنظر الجزائر إلى أمن الساحل باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمن حدودها الجنوبية. وقد لعبت دورًا تاريخيًا في الوساطة بشأن مالي وشمال الساحل، لكنها تواجه بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا بسبب تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتراجع التعاون مع بعض دول الجوار.
وترى مجموعة الأزمات الدولية أن تدهور العلاقات الجزائرية المالية أضعف التعاون الأمني على الحدود، في وقت تحاول فيه الجزائر الحفاظ على مجال أمني واسع وعلى هامش مستقل في سياستها الإقليمية.

وتخشى الجزائر أن يؤدي تمدد الفوضى من ليبيا وتشاد والسودان إلى زيادة حركة السلاح والجماعات المسلحة باتجاه حدودها.
وتبقى المخاوف الجزائرية مرتبطة أساسًا بإدارة المجال الأمني ومنع انتقال الاضطراب، وليس هناك ما يثبت علنًا وجود تحالف سري موحد تقوده الجزائر لإعادة ترتيب المنطقة.
فالسياسة الجزائرية تتحرك بين تشديد الرقابة الحدودية، والحفاظ على النفوذ الدبلوماسي، ورفض ترتيبات أمنية قد تمنح قوى خارجية حضورًا دائمًا في جوارها.
صحراء تتحول إلى اقتصاد حرب
تكشف التطورات المتلاحقة أن الصحراء الممتدة بين ليبيا وتشاد والسودان لم تعد منطقة هامشية في الصراعات الإقليمية.
فقد أصبحت ممرًا للعتاد، وسوقًا للوقود، ومجالًا لتجنيد المقاتلين، ومصدرًا لتمويل الجماعات المسلحة عبر الذهب والتهريب ورسوم الحماية.

وتتنافس القوى المحلية على السيطرة على هذه الموارد والممرات، بينما تحاول الدول المجاورة منع انتقال الحرب إلى أراضيها. لكن ضعف الرقابة واتساع المساحات الصحراوية وتداخل الروابط القبلية يجعل الفصل بين التجارة غير القانونية والدعم العسكري المباشر أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن المرجح أن يستمر هذا الوضع ما دامت الحرب السودانية بلا تسوية سياسية. فكلما طال أمد القتال، ازدادت قيمة طرق الإمداد، وتوسعت شبكات الوسطاء، وتحول المقاتلون والمهربون إلى أطراف مؤثرة في أمن المنطقة.
وبذلك لا يعود الصراع السوداني أزمة داخلية، بل جزءًا من منظومة إقليمية تمتد من دارفور إلى تشاد وليبيا والساحل.
المصدر: وكالات



























إرسال التعليق