
هلاوي: “أكتب لأبقى حيًا”.. الشعر في مواجهة جحيم الحرب السودانية (1)
لم تترك الحرب في السودان البيوت والشوارع وحدها تحت وطأة الخراب؛ فقد امتدت آثارها إلى الذاكرة الشخصية، وإلى المكتبات والدفاتر والصور والرسائل التي تختزن أعمار أصحابها.
وفي تجربة الشاعر الغنائي عبد الوهاب هلاوي، تبدو الخسارة أكبر من فقدان مكان يمكن العودة إليه؛ إنها اقتلاع لجزء من السيرة، وغياب لأشخاص لا تعوضهم المسافات، وامتحان قاسٍ لقدرة الإنسان على الاحتفاظ بصوته وسط الضجيج.
في الحلقة الأولى من سلسلة لقاءات الشاعر عبد الوهاب هلاوي مع «منصة أفريقيا»، تتقدم الحرب إلى واجهة الحديث لا باعتبارها حدثًا سياسيًا مجردًا، بل تجربة شخصية أعادت تشكيل علاقته بالبيت والوطن والكتابة.
يتحدث الشاعر عن فقدان مقتنياته ودفاتره وصوره ورسائله، وعن ألم الابتعاد عن قبور والديه وإخوته وأصدقائه، وعن رحيل زوجته خارج السودان في ظروف الحرب، ومن هذه الخسارات تنبثق عبارته الدالة: «أكتب لأبقى حيًا»، وكأن الكتابة أصبحت وسيلته لمقاومة الانطفاء.
بيت غائب وذاكرة لا تجد ملاذًا
في حياة الكاتب، لا تمثل المكتبة مجموعة كتب فحسب، ولا الدفاتر أوراقًا قابلة للاستبدال، إنها سجل طويل من المحاولات والأفكار واللحظات التي تشكلت فيها القصيدة قبل أن تصل إلى القارئ أو تتحول إلى أغنية، وحين يصف هلاوي ما أصاب بيته ومقتنياته، فإن حديثه يكشف جانبًا من الأذى الذي يتجاوز الممتلكات المادية إلى الذاكرة نفسها.
فقدان الصور والرسائل والمخطوطات يعني ضياع شواهد على مراحل من الحياة، وربما على نصوص لم تجد طريقها إلى النشر، أما الابتعاد عن قبور أفراد الأسرة والأصدقاء، فيضيف إلى الفقد وجعًا آخر: أن يكون المرء بعيدًا حتى عن الأماكن التي اعتاد أن يستعيد عندها صلته بمن رحلوا.
وتتضاعف هذه المأساة في حديثه عن زوجته، التي رحلت خارج السودان في زمن الحرب، وقد أهدى هلاوي ديوانه «المنحدر» إلى روحها، وكتب في الإهداء:
«ذهبت..
ولم تعد حتى على كفن..»
لا يحتاج هذا المقطع القصير إلى شرح طويل؛ فالفجوة بين الرحيل والعودة التي لا تحدث تختصر قسوة الفقد، وتكشف كيف يمكن للغياب أن يتحول إلى حضور دائم في لغة الشاعر.

الكتابة بوصفها مقاومة شخصية
لا يقدم هلاوي الكتابة باعتبارها ترفًا ثقافيًا منفصلًا عن الحياة، بل بوصفها حاجة ملحة في مواجهة الألم، ويشبه الشعر في حديثه بعود ثقاب داخل القلب، يضيء به مساحة صغيرة من الزمن، إنها صورة تجمع بين هشاشة الوسيلة وضخامة المهمة: عود ثقاب لا يوقف الحرب، لكنه يمنح صاحبه قدرًا من النور وسط العتمة.
وفي هذه النظرة، لا تكون القصيدة بديلًا عن البيت أو الأسرة، ولا تعويضًا كاملًا عما ضاع، إنها محاولة لإبقاء شيء من الذات حيًا، ومنع الخراب الخارجي من الاستيلاء على المساحة الداخلية للإنسان، فحين تتعطل الحياة المعتادة، يمكن للكلمات أن تصبح شكلًا من أشكال الاستمرار، وأن تمنح التجربة المؤلمة صيغة يستطيع صاحبها العودة إليها وفهمها.
وتتضح هذه الفكرة في السياق الذي ظهر فيه ديوان «المنحدر»، فالمادة التقديمية للديوان تربط صدوره بظروف الحرب القاسية، وتقدم القصيدة باعتبارها راية في مواجهة القنابل والرصاص والدمار، ليست الكلمة هنا ادعاءً بأنها أقوى من السلاح ماديًا؛ بل إعلان بأن الحرب، مهما اتسعت، لا ينبغي أن تكون الرواية الوحيدة التي تُكتب عن السودان.
بين النزوح والكتابة
يقول هلاوي إنه عاش عامين كاملين من الحرب، وكتب خلال تلك الفترة أعمالًا منها «نازحون على الأرض» و«حكايات سودانية»، قبل أن يتوجه إلى مصر لزيارة قبر زوجته في أسوان.
وتضع هذه التفاصيل الكتابة في سياقها الإنساني: شاعر يتنقل بين الخسارة والنزوح، ويحاول أن يواصل العمل فيما تتغير الأماكن من حوله.
ولا ينبغي التعامل مع عناوين هذه الأعمال باعتبارها مجرد قائمة إنتاج أدبي؛ فهي تشير إلى عالم أصبح فيه النزوح جزءًا من التجربة اليومية، وأصبحت الحكاية السودانية مطالبة بأن تحفظ تفاصيل الناس في وقت تتعرض فيه حياتهم للتشتت.
ومن هنا، تكتسب الكتابة عن الحرب أهمية تتجاوز السيرة الفردية، لأنها تتيح مساحة لسرد التجربة من داخلها، بعيدًا عن الأرقام المجردة وحدها.
وفي ديوانه «المنحدر»، تتجلى كذلك نبرة التمسك بالإرادة في المقطع الذي يرد فيه:
«دي الثورة في عيون العيون
والثورة في قلب القلب
ما بتنقلب.. ما بتنقلب..»
تعبّر هذه الأسطر عن موقف شعري يصر على بقاء الإرادة رغم القسوة. وهي لا تمحو التناقضات ولا تنكر الخسائر، لكنها تمنح القصيدة وظيفة إضافية: مقاومة الاستسلام، وتثبيت الأمل بوصفه احتمالًا يحتاج إلى حماية.

الزوجة.. القارئة الأولى
من أكثر تفاصيل تجربة هلاوي إنسانية حديثه عن زوجته بوصفها قارئته الأولى، التي ظلت تتابع قصائده حتى في مراحل إعداد مجموعته الأخيرة للطباعة.
يكتسب هذا التفصيل معناه في ضوء رحيلها؛ فالشخص الذي اعتاد الشاعر أن يشاركه نصوصه قبل وصولها إلى الجمهور لم يعد حاضرًا بالطريقة التي عرفها.
هنا تتداخل الكتابة مع العلاقة الشخصية، وتصبح القصيدة سجلًا للحياة المشتركة بقدر ما تكون عملًا فنيًا مستقلًا، لا تعود الزوجة مجرد اسم في الإهداء، بل جزءًا من تاريخ النصوص ومن عملية تشكلها، ومن الذاكرة التي يحملها الشاعر إلى ما بعد الفقد.
هل تستطيع القصيدة أن تواجه الحرب؟
لا يدعي هلاوي أن الشعر يوقف الرصاص، لكنه يرفض ضمنيًا أن يكون الخراب نهاية الحكاية. فحين يواصل الكتابة، فإنه يحفظ للإنسان حقه في التعبير، وللوطن حقه في أن يُروى من خلال تجارب ناسه، وللذاكرة فرصة ألا تُختزل في مشاهد الدمار.
إن المأساة التي يتحدث عنها ليست شأنًا خاصًا بالشاعر وحده؛ إنها تجربة تتقاطع مع حياة ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم وأحبتهم وأماكنهم المألوفة، غير أن الشعر يمنح هذه التجربة لغة شخصية، تجعل الألم قابلًا لأن يُسمع ويُقرأ، من دون أن يتحول إلى رقم آخر في نشرة الأخبار.
ومن هنا، تبدو عبارة «أكتب لأبقى حيًا» خلاصة لتجربة هلاوي في زمن الحرب: الكتابة ليست إنكارًا للموت، ولا ادعاءً بأن الكلمات قادرة على إعادة ما فُقد، بل محاولة للحفاظ على ما تبقى من الإنسان. وفي بلد يبحث أبناؤه عن الأمان والعودة، تظل القصيدة شهادة على أن الحرب قد تنتزع البيت والدفتر، لكنها لا تملك وحدها حق تحديد ما سيقوله الناجون عن حياتهم ووطنهم.
الصادق البديري


























