
تلقيح السحب بأفريقيا بين أمل مائي محدود وحل لا ينهي الجفاف
لا يستطيع تلقيح السحب أن ينهي الجفاف في أفريقيا، ولا أن يستدعي المطر من سماء خالية من الغيوم. لكنه قد يضيف، في ظروف جوية محددة وتحت إشراف علمي دقيق، كمية إضافية من الهطول إلى سحب موجودة بالفعل. الفارق بين الوعدين هو ما يحدد ما إذا كانت هذه التقنية أداة مساندة لإدارة المياه أم استثماراً مكلفاً في توقعات أكبر من قدراتها.
تقوم التقنية على إدخال جسيمات دقيقة في سحابة مناسبة، مثل يوديد الفضة أو مواد تستهدف قطرات الماء، بهدف التأثير في تكوّن بلورات الجليد أو اندماج القطرات وبالتالي زيادة احتمال الهطول. لكن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تؤكد أن تعديل الطقس يظل محلياً ومحدود المدى الزمني.
ولا توجد قاعدة علمية لفكرة إنشاء منظومات سحابية ممطرة أو تغيير مسارات الرياح لجلب بخار الماء إلى منطقة جافة أو إنهاء ظواهر جوية واسعة النطاق.تزداد جاذبية هذه التقنية مع اشتداد أزمة المياه في القارة.
فبحسب تقرير حالة المناخ في أفريقيا الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، تعيش مناطق من القارة جفافاً وشحاً مائياً مطولاً، بينما تواجه مناطق أخرى فيضانات مدمرة. هذا التباين يوضح أن المشكلة ليست نقص المطر وحده، بل تقلبه الشديد وتوزعه غير المتكافئ وقدرة الدول على تخزين المياه وإدارتها وحماية المجتمعات من الصدمات المناخية.

المغرب يقدم أحد أقدم الأمثلة الأفريقية. فقد تناول تقرير أفريكا ريبورت عمليات تلقيح سحب قرب جبال الأطلس في سياق شح المياه، فيما يوثق أرشيف تقارير تقنية أميركي برنامج الغيث الذي تعاونت فيه الرباط وواشنطن خلال الثمانينيات لدراسة إمكان تعزيز الموارد المائية في حوض أم الربيع.
واعتمد البرنامج على طائرات ومحطات أرضية لإطلاق يوديد الفضة في تشكيلات سحابية مختارة، كما أسهم في بناء قدرات للرصد والرادار وعلوم السحب. لكن الخبرة نفسها تؤكد أن اختيار السحابة وتقييم النتيجة لا يقلان أهمية عن عملية التلقيح ذاتها.
وليست كل الغيوم قابلة للاستجابة. فالمنظمة العالمية للأرصاد تشير إلى وجود أدلة أقوى على تعزيز الهطول في بعض السحب الجبلية الباردة ذات البنية الأبسط نسبياً، حيث يمكن تتبع أثر التدخل بصورة أوضح.
أما السحب ذات الحركة المعقدة والتقلب الطبيعي الكبير، فتظل أصعب في التقييم لأن تمييز أثر التلقيح من التغير الطبيعي في المطر يصبح مهمة شديدة الصعوبة. لهذا لا يمكن نقل نتيجة تجربة ناجحة من منطقة إلى أخرى من دون دراسة خصائص السحب والتضاريس والرياح والمياه المتاحة في كل موقع.
ويعزز تقييم مكتب المساءلة الحكومي الأميركي هذه الحيطة. فقد خلص إلى أن الدراسات التي راجعها أعطت نتائج متفاوتة، تراوحت بين غياب زيادة قابلة للرصد وزيادة محدودة في الهطول. كما شدد على أن غياب بيانات موثوقة وندرة السحب الملائمة وصعوبة قياس النتيجة تجعل العائد من الاستثمارات غير محسوم.
فهطول المطر بعد مرور طائرة لا يثبت، بذاته، أن الطائرة كانت السبب؛ إذ يتطلب الإثبات مقارنة منهجية بين حالات لُقحت وحالات مماثلة لم تلقح، مع قياسات ميدانية ونماذج تشرح السلسلة الفيزيائية التي أدت إلى النتيجة.

وتبرز جنوب أفريقيا كحالة تحذير من الفجوة بين الاهتمام العلمي والقدرة على التشغيل المستدام. ففي رد برلماني رسمي، قالت وزارة الغابات والثروة السمكية والبيئة إن برنامج تلقيح السحب في البلاد عُلّق بسبب قيود التمويل، وإن التقنية لم تُستخدم خلال السنوات القريبة الماضية. وأضافت أن أي عودة إليها ينبغي أن تتبع نهجاً حذراً ومبنياً على أدلة كافية وبرنامج علمي سليم، مع استثمار كبير في المعدات والخبرات.
ولا تعني التحفظات أن التقنية خطرة حتماً. فالمنظمة العالمية للأرصاد تقول إن الدراسات المنشورة عن الاستخدامات السابقة لم تظهر أثراً مهماً على صحة الإنسان أو البيئة من يوديد الفضة والمواد الشائعة عند المستويات المعتادة. لكنها تشدد في الوقت نفسه على ضرورة تقييم الأثر البيئي والصحي قبل استخدام كميات أكبر أو مواد جديدة. كما أن التأثيرات المحتملة في المناطق الواقعة مع اتجاه الرياح، والقضايا المرتبطة بالعدالة بين المستفيدين والمتضررين، تتطلب بحثاً ومشاركة مجتمعية وتنسيقاً بين السلطات.

بالنسبة إلى أفريقيا، تكمن القيمة الواقعية لتلقيح السحب في اعتباره أداة تجريبية ومكملة لا بديلاً عن سياسة مائية متكاملة. ويمكن أن يكون مفيداً إذا ارتبط بأرصاد جوية دقيقة، ومراقبة مستقلة، ومعايير واضحة لاختيار السحب، وشفافية في البيانات، وتقييم اقتصادي وبيئي قبل التوسع. أما الاستجابة الأوسع للجفاف فتظل في تحسين التنبؤ والإنذار المبكر، وصيانة شبكات المياه، وحصاد الأمطار، وحماية الأحواض الجوفية والسطحية، وتطوير الزراعة القادرة على التكيف.
قد يكون تلقيح السحب قد يساعد في اقتناص فرصة مائية عندما تتوافر السحب المناسبة، لكنه لا يخلق الفرصة من العدم. وفي قارة تعاني في وقت واحد من الجفاف والفيضانات، سيكون التعامل معه كجزء محدود من منظومة إدارة مخاطر المياه أكثر صدقاً وفاعلية من تقديمه علاجاً نهائياً لأزمة المناخ والمياه.
المصدر: أفريقيا ريبورت + المنظمة العالمية للأرصاد الجوية


























