أهم العناوين

الضائقة الاقتصادية وتعدد “الحركات” بالسودان: لماذا لا تعني “الانقلاب” بالضرورة؟

الصادق البديري- 

في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بدا مشهد الحياة اليومية في الخرطوم أقرب إلى كابوس اقتصادي حيث فقد الجنيه السوداني أكثر من نصف قيمته منذ مايو/أيار، وتجاوز سعر الدولار في السوق الموازية عتبة 10 آلاف جنيه، بعد أن كان 600 جنيه قبل الحرب، وتُظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي أن تكلفة سلة الغذاء المرجعية ارتفعت بنسبة 94% على أساس سنوي، بينما قفز سعر دقيق القمح 68% خلال 12 شهرًا.

هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها بيئة خصبة لكل أشكال عدم الاستقرار، بما في ذلك الحديث عن ربما انقلاب عسكري، لكن السؤال الأهم ليس “هل الضائقة الاقتصادية تخلق شروطًا للانقلاب؟”، بل “أي نوع من الانقلاب يمكن أن يولد في بلد لم تعد فيه السلطة مركزية أصلًا؟”.

لم تعد الأزمة الاقتصادية السودانية مجرد انكماش في مؤشرات كليّة؛ لقد تحولت إلى “اقتصاد حرب” قائم بذاته، حيث يوثق معهد واشنطن وشبكات تحليل العقوبات أن النظام النقدي في “أزمة عميقة”، مع تضخم بلغ نحو 45.8% في مايو/أيار 2026، وانهيار شبه كامل للجنيه، وتفتت أسواق العملات.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة وخبراء مستقلون إلى أن أكثر من نصف إنتاج الذهب السنوي في السودان، الذي كان يمثل 70% من عائدات الصادرات قبل الحرب، يُهرب خارج البلاد خاصة من قبل قادة مليشيا الدعم السريع.

الضائقة-المعيشية-السودان-edited-960x531 الضائقة الاقتصادية وتعدد "الحركات" بالسودان: لماذا لا تعني "الانقلاب" بالضرورة؟

قوة موزعة لا مركزية

السؤال عن “انقلاب” يفترض ضمنيًا وجود مركز واحد للسلطة يمكن الاستيلاء عليه، لكن الواقع السوداني في 2026 يتجه في الاتجاه المعاكس، ويشير تقرير معهد شمال أفريقيا الصادر في 19 مارس/آذار 2026 إلى أن الحرب “تتبلور حاليًا حول ثلاثة مسارات محتملة”، وأعلاها احتمالًا هو “الانزلاق نحو انقسام فعلي”، بينما يبقى الاستيلاء العسكري من قبل مليشيا الدعم السريع هو السيناريو “الأبعد احتمالًا” على ضوء التراجع والتشتت الذي تعيشه هذه المليشيا.

ويوضح التقرير أن استيلاء قوات الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 سلط الضوء على تسارع تفتت الدولة وتوطيد هياكل إدارية وأمنية موازية في بعض أنحاء البلاد، مع “تآكل التماسك الوطني”.

وتعزز تقارير الأمم المتحدة هذا التشخيص. فقد وثقت بعثة تقصي الحقائق المستقلة في تقرير نُشر في 3 سبتمبر/أيلول 2026 شبكات جنّدت ودربت ونشرت أفرادًا أجانب لدعم مليشيا الدعم السريع.

وتشير البعثة تحديدًا إلى نشر ما يصل إلى 2000 متعاقد عسكري كولومبي سابق “شاركوا مباشرة في تشغيل طائرات مسيرة قتالية ومدفعية وأسلحة متقدمة إلى جانب وحدات الدعم السريع في دارفور وكردفان”.

القوات-المسلحة-السودانية-edited-960x532 الضائقة الاقتصادية وتعدد "الحركات" بالسودان: لماذا لا تعني "الانقلاب" بالضرورة؟

الخطر من الفراغ

إن الربط بين الضائقة الاقتصادية وتعدد الجماعات المسلحة وبين “فرص انقلاب عسكري” يبدو، في الحالة السودانية، ربطًا مضللًا. فالضائقة الاقتصادية موجودة، والجماعات المسلحة موجودة.

ويصف تقرير “إيكوفين” (28 أكتوبر/تشرين الأول 2026) الحكومة بأنها تلجأ إلى إعفاءات ضريبية على ثماني سلع أساسية “على أمل أن يمرر المستوردون التوفير إلى المستهلكين”، في وقت يحتاج فيه السودان إلى نحو 2.8 مليون طن من واردات الحبوب.

في هذا السياق، السؤال الصحيح ليس “هل سينجح انقلاب عسكري؟”، بل “من سيحكم ماذا، في بلد لم تعد فيه سلطة مركزية قادرة على فرض قرارها على كامل أراضيها؟”.

وعليه فإن الضائقة الاقتصادية وتعدد الجماعات المسلحة لا يفتحان الباب أمام انقلاب، بل يغلقان الباب أمام أي شكل من أشكال الاستقرار المركزي، ويجعلان السودان أسيرًا لمعادلة “لا سلام ولا انقلاب”، بل ربما استمرار التفكك.

 

إرسال التعليق