أهم العناوين

من أمدرمان إلى الدوحة.. عادل التيجاني صوت سوداني رفض الذوبان (1)

في عام 1980، خرج صوتٌ شابٌّ من مبنى الإذاعة السودانية ليعلن نفسه عبر أغنية «الأميرة»، كلمات الشاعر محمد علي أبو قطاطي وألحان الموسيقار أحمد زاهر.

لم يكن ذلك الصوت عابراً، بل كان لحظة إجازة رسمية لصوتٍ ظل يغني في الظل سنوات، في الفرق والحفلات ومراكز الشباب، حتى نال شهادته الأولى من الميكروفون، وكانت تلك اللحظة أشبه بميلاد ثانٍ: الأول في بيت بالعباسية أم درمان، والثاني في استوديو الإذاعة حيث تُختبر الأصوات قبل أن تُمنح جواز مرورها إلى الأذن العامة.

ويستعيد الفنان عادل التيجاني، في لقاء خاص مع «منصة أفريقيا»، مساراً فنياً يمتد من مركز شباب الربيع ومركز شباب أم درمان وقصر الشباب والأطفال في أم درمان مروراً بمعهد خليل توفيق في القاهرة إلى الدوحة حيث يقيم منذ 1994م.
ويروي في هذا التقرير الأول كيف تشكّل صوته، وكيف حافظ على هويته السودانية خارج وطنه، وما الذي أضافته له الإقامة البعيدة عن الخرطوم.

يستعيد التيجاني مرحلة السبعينيات بوصفها «مرحلة تدريب كبيرة ومهمة»، لا مجرد مقدمة للشهرة، كان يغني رسمياً في السبعينيات، ضمن فرق وحفلات، وله بعض الأغاني الخاصة التي لم تكن قد وجدت طريقها إلى الأضواء بعد، وقبل ذلك كانت المدارس والدورات، ثم مراكز الشباب والتدريب، وهذا التراكم البطيء هو ما صنع لاحقاً حساً مزدوجاً: احترام القواعد، والوفاء للشارع.

وفي عام 1980، كان طالباً في قصر الشباب والأطفال يدرس الموسيقى لمدة ثلاث سنوات، وفي الوقت نفسه عضواً في مركز شباب أم درمان، ولم يكن التعليم النظامي بالنسبة إليه طريقاً بديلاً عن الموهبة، بل رافعة لها، ففي العام نفسه أُجيز صوته في الإذاعة السودانية، وسجل أول عمل غنائي رسمي، ليجد نفسه أمام مسارين متوازيين: الدراسة والاحتراف.

WhatsApp-Image-2026-10-21-at-9.20.43-AM-300x198 من أمدرمان إلى الدوحة.. عادل التيجاني صوت سوداني رفض الذوبان (1)

الدراسة في القاهرة

بيد أن الطريق لم يتوقف عند الخرطوم. في عام 1986 قرر أن يمنح موهبته شهادة، فكان معهد خليل توفيق للدراسات الموسيقية في القاهرة، حيث نال دبلوماً يعادل البكالوريوس.

ولم يكن يتفرغ للفن وحده؛ كان يعمل رئيساً لقسم الإحصاء الصحي والحيوي والبحوث في مستشفى التجاني الماحي للطب النفسي، وهكذا عاش الفن إلى جوار الأرقام، والموسيقى إلى جوار الحالات الإنسانية، في تجربة نادرة تجمع بين دقة العلم ودفء الصوت.

وقد يبدو غريباً أن يجتمع الإحصاء والموسيقى في شخص واحد، لكن التيجاني يرى في ذلك تكاملاً لا تناقضاً فكليهما أرقاماً : الأرقام تعلمه الدقة، والموسيقى تعلمه الرحمة، وحين يعود إلى تلك الفترة، يصفها بأنها كانت «فترة ثرة» عُرف فيها كمغنٍّ، وكان حريصاً على أن يصنع أعماله الخاصة ويطرحها.

ومن القاهرة إلى الدوحة، حيث يقيم منذ 1994، لكنه يرفض أن يُقرأ هذا الانتقال بوصفه قطيعة، ويقول بثقة: «هويتي الموسيقية لم تتغير عن هوية السودان»، فهو ما زال عادل التيجاني الفنان السوداني، لم تتبدل ثقافته الغنائية، بل تطورت، وتلك جملة تبدو بسيطة، لكنها في جوهرها موقف كامل من علاقة الفنان بالمكان.

ويرى أن الغربة منحته مسافة نقدية نادرة؛ فمن داخل السودان، يتأثر الفنان بالجو العام ويتعايش معه، أما من الخارج، فيراقب الحركة الفنية عن قرب، يعرف التطور والسلبيات والإيجابيات.

وبهذا المعنى، كانت الدوحة مرصداً لا منفى، ونافذة لا جداراً، وهي أيضاً مكان للعمل، حيث أنتج نحو ستة ألبومات، وشارك في أوبريتات خليجية، وتعامل مع شعراء وملحنين من الخليج، دون أن يفقد بوصلته.

ويصف التيجاني هذه الإقامة بأنها جعلته «مواكباً للحركة الفنية في السودان ومتابعاً متابعة عن قرب»، بل ساعدته في أن يصنع إنتاجه الخاص بتوزيع متطور، فالفنان المقيم خارج بلده، كما يصوره، يرى المشهد كاملاً من الخارج، بينما يرى المقيم في الداخل جزءاً منه فقط.

WhatsApp-Image-2026-10-21-at-9.26.28-AM-edited-300x207 من أمدرمان إلى الدوحة.. عادل التيجاني صوت سوداني رفض الذوبان (1)

تعاون مع السويدي

وفي هذا الفضاء الجديد، تعامل مع الشاعر القطري خليفة جمعان السويدي في أربعة أعمال غنائية، وهو الشاعر الذي غنت له عقد الجلاد في فترتها الذهبية أغنيه (خطوه خطوه مشينا) من كلماته وألحانه لكنه أصرّ على أن يتعامل مع أغنيات جمعان بهويته السودانية : النص الشعري خليجي، والموسيقى خماسية سودانية، وشارك في أوبريتات خليجية، وكان السوداني الوحيد بين المغنيين الخليجيين ، لكنه لم يلوِ لسانه ولم يحاول أن يصنع شيئاً «ليس منا» .

ومضى يطرح سؤالاً مفتوحاً: «أين تضع بصمتك الفنية السودانية؟» ويجيب بنفسه: يجب أن تضعها في أي مكان تتواجد فيه، هذا المبدأ يحول كل تجربة تعاون إلى اختبار للهوية، لا إلى فرصة للذوبان.
فالفنان، كما يصوره، لا يحمل هويته كشارة يعلقها عند الحاجة، بل كبنية تدخل في كل اختيار فني، حتى في النص المكتوب بلغة أخرى.

اليوم، تقف أعماله على منصة يوتيوب، قريباً من ثلاثين أغنية، في متناول من يريد. لم يعد الأرشيف حبيس المخازن، بل صار مفتوحاً على العالم، وهذا في حد ذاته موقف من علاقة الفنان بجمهوره، ويؤكد التيجاني أن كل أعماله الغنائية الخاصة متاحة لمن يكتب اسمه على يوتيوب، في خطوة تعيد تعريف العلاقة بين الفنان والأرشيف والأجيال الجديدة التي غاب عنها .

فالحكاية، في هذا التقرير الأول، تبقى حكاية صوتٍ رفض أن يُختزل في مكان أو في لحظة، من الإذاعة السودانية إلى الدوحة، ظل التيجاني يحمل عنوانه على غلاف كل تجربة، والسؤال الذي يفتحه هذا المسار واضح: هل المنفى يصنع مسافة نقدية تُنضج الفن، أم يهدد البصمة التي يحملها الفنان في صوته؟

ويختتم التيجاني هذا المحور بتأكيد أن تجواله بين الخرطوم والقاهرة والدوحة لم يغيّر هويته أو ثقافته الغنائية «بأي حال من الأحوال»، بل طوّرها، وهي خلاصة تضع السؤال في مكانه الصحيح: ليس في ما يفقده الفنان حين يهاجر، بل فيما يحمله معه، وفي قدرته على أن يجعل من المكان الجديد مساحة لعمل لا لنسيان.

الصادق البديري

إرسال التعليق