
تحول روتو الشعبوي تجاه التجار الأجانب يهدد بإرباك المستثمرين
تكشف الحملة التي أطلقها الرئيس الكيني وليام روتو ضد الأجانب العاملين في التجارة الصغيرة عن تحول في خطابه السياسي من التركيز على جذب الاستثمار إلى تبني خطاب أكثر شعبوية يضع حماية صغار التجار الكينيين في مواجهة المنافسة الأجنبية.
ويستند هذا التحول إلى مشكلة حقيقية تتمثل في صعوبة الأوضاع الاقتصادية واشتداد المنافسة داخل الاقتصاد غير الرسمي، لكنه يحمل مخاطر تتجاوز تنظيم سوق التجزئة؛ إذ قد يضر بصورة كينيا بوصفها مركزًا اقتصاديًا إقليميًا، ويؤثر في ثقة المستثمرين، ويزيد التوتر مع دول الجوار.
القرار وخلفيته
أعلن روتو، في مطلع سبتمبر 2026، أن الأنشطة التجارية الصغيرة مثل البيع المتجول وإدارة المتاجر المحدودة ينبغي أن تكون مخصصة للكينيين، ووجّه السلطات إلى اتخاذ إجراءات ضد الأجانب الذين يمارسون هذه الأنشطة. وجاء الإعلان أثناء لقاء مع ممثلي قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة في نيروبي، في وقت كانت فيه الحكومة تدفع باتجاه تسريع مناقشة مشروع قانون المحتوى المحلي لعام 2025.

قدمت الرئاسة القرار باعتباره وسيلة لحماية فرص العمل والدخل للكينيين، لا باعتباره رفضًا للاستثمار الأجنبي. وميّز روتو بين الاستثمار الذي يجلب رأس المال والتكنولوجيا وفرص العمل، وبين دخول مستثمرين أجانب، وخصوصًا بعض التجار الصينيين، إلى أنشطة صغيرة ينافسون فيها أصحاب الأعمال المحليين مباشرة. وبحسب هذا التصور، فإن المستثمر الأجنبي المقبول هو الذي يوسّع الإنتاج ويخلق الوظائف، لا الذي يشارك في نشاط تجزئة يستطيع الكينيون ممارسته.
لكن الصياغة الحادة للقرار، ولا سيما الدعوة إلى إغلاق الأعمال الأجنبية الصغيرة خلال فترة قصيرة، تركت غموضًا بشأن نطاق التطبيق. فلم تحدد الحكومة في البداية قائمة شاملة بالأنشطة المشمولة، ولا عدد الأشخاص الذين يمكن أن يتأثروا، كما لم يتضح فورًا وضع الأجانب الحاصلين على تراخيص وتصاريح قانونية.
التجار الصينيين ومواطني الجوار
لم تقتصر تداعيات الخطاب على التجار الصينيين الذين ورد ذكرهم في تصريحات الرئيس. فقد استهدف القلق بصورة خاصة تجارًا بورونديين وغيرهم من مواطني دول شرق أفريقيا الذين يعملون في الحلاقة والتجميل، وبيع الملابس والأغذية والسلع المنزلية، والنقل بالدراجات النارية، والبيع المتجول.
وتستفيد حركة هؤلاء الأشخاص من الروابط الاقتصادية والإقليمية داخل جماعة شرق أفريقيا. غير أن حرية الحركة لا تعني تلقائيًا الحق في العمل أو الإقامة الطويلة من دون تصاريح، ولذلك كان يمكن معالجة المخالفات عبر التحقق من الوثائق وتطبيق القانون على الحالات الفردية. أما إطلاق خطاب عام ضد “الأجانب” فكان قابلًا لأن يُفهم بوصفه دعوة إلى طردهم، حتى عندما يكون بعضهم مقيمًا بصورة قانونية أو مرتبطًا بعائلات كينية.

وأدى هذا الالتباس إلى إغلاق بعض الأعمال، وامتناع مهاجرين عن مغادرة منازلهم خوفًا من المضايقة، وتوجه آخرين إلى السفارات أو المعابر الحدودية للحصول على الوثائق والعودة إلى بلدانهم. كما أثار القرار مخاوف من تفكك أسر مختلطة تضم أزواجًا كينيين وأجانب، ومن انتقال الخلاف من مسألة تنظيم سوق العمل إلى توتر اجتماعي ودبلوماسي.
البعد السياسي للخطاب
يأتي التصعيد في وقت يستعد فيه روتو لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة. ولذلك يبدو القرار، إلى جانب بعده الاقتصادي، جزءًا من محاولة سياسية لاستعادة دعم الفئات التي تشعر بأنها فقدت فرص العمل أو تواجه منافسة متزايدة في الأسواق الشعبية.
يمنح هذا النوع من الخطاب الحكومة رسالة سهلة التداول: حماية “رزق الكينيين” من المنافسة الخارجية. غير أن بساطة الرسالة تخفي مشكلة أكثر تعقيدًا. فالبطالة وضعف الدخل لا ينتجان عن وجود التجار الأجانب وحده، بل يرتبطان بحجم الاقتصاد غير الرسمي، وتكلفة التمويل، وضعف القدرة الشرائية، وصعوبة الوصول إلى التراخيص والأسواق. ومن ثم، فإن تحميل فئة من المهاجرين مسؤولية الضغوط الاقتصادية قد يحقق مكسبًا سياسيًا سريعًا، لكنه لا يعالج أسباب الأزمة.

كما أن استخدام خطاب سياسي شديد اللهجة قد يشجع بعض الأفراد على ممارسة المضايقة أو العنف، حتى لو لم تكن هذه النتيجة مقصودة رسميًا. وقد اضطرت السلطات الكينية لاحقًا إلى التأكيد أن الأجانب الذين يستوفون شروط الإقامة والعمل والتراخيص يتمتعون بالحماية القانونية، وإلى منح غير المسجلين مهلة لتسوية أوضاعهم بدلًا من التعامل معهم جميعًا بوصفهم مخالفين.
لماذا يقلق المستثمرون؟
تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى المستثمرين في قابلية التنبؤ بالسياسات. فالمستثمر لا ينظر فقط إلى الحوافز الضريبية أو حجم السوق، بل يقيّم أيضًا ما إذا كانت القواعد ستظل مستقرة، وما إذا كان الخطاب السياسي يمكن أن يتحول سريعًا إلى قرارات إدارية تستهدف جنسية معينة أو قطاعًا بعينه.
وتزداد المخاوف عندما يتزامن التضييق على التجار الأجانب مع نزاع منفصل حول شركة تاتا كيميكالز ماغادي، وهي شركة هندية تعمل في إنتاج رماد الصودا في بحيرة ماغادي. فقد طالب روتو الشركة بمغادرة البلاد، معتبرًا أنها لم تقدم منافع كافية للمجتمع المحلي في مقاطعة كاجيادو. وعلى الرغم من أن قضية تاتا تتعلق بالتعدين والامتثال والتوزيع المحلي للعوائد، لا بالتجارة الصغيرة، فإن تزامنها مع حملة التجار الأجانب قد يعطي انطباعًا بأن الحكومة تعيد تعريف شروط الاستثمار بصورة مفاجئة.

ولا يعني ذلك أن كل تنظيم للأنشطة التجارية الصغيرة يمثل تهديدًا للاستثمار. فمن حق الدولة أن تفرض تراخيص واضحة، وتحمي العمالة المحلية، وتلزم الشركات بالمحتوى المحلي، وتمنع العمل غير القانوني. لكن هذه الأهداف تصبح أكثر قابلية للتحقيق عندما تطبق القواعد على أساس النشاط والوضع القانوني، لا على أساس الجنسية وحدها، وعندما تعلن الحكومة المعايير والإجراءات والمهل بوضوح.
الأثر الإقليمي والدبلوماسي
تتمتع كينيا بدور محوري في شرق أفريقيا، وتستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين والمهاجرين، كما ترتبط بتدفقات تجارية وعمالية مع دول الجوار. لذلك فإن استهداف مواطني بوروندي أو غيرها من دول المنطقة يمكن أن ينعكس على المعاملة المتبادلة للكينيين في الخارج وعلى الثقة داخل جماعة شرق أفريقيا.
وأثار الخطاب بالفعل اعتراضات من الجانب البوروندي، بينما سعت وزارة الخارجية الكينية إلى تهدئة المخاوف والتأكيد أن المقصود هو تنظيم الأنشطة غير القانونية لا استهداف جنسية بعينها. وتبرز هنا مفارقة اقتصادية مهمة: فالعلاقات التجارية لا تقاس فقط بحجم رأس المال الكبير. فالأسواق الصغيرة تربط المنتجين والمستهلكين عبر الحدود، وقد يؤدي إقصاء التجار إلى تقليص المنافسة ورفع الأسعار وإضعاف حركة السلع، حتى إذا استفاد بعض التجار المحليين على المدى القصير.
المصدر: وكالات


























