أهم العناوين

ضريح سانكارا في بوركينافاسو.. تخليد للثورة أم أداة سياسية؟

استقطب الضريح المخصص للرئيس البوركيني الراحل توماس سانكارا مئات الزوار يومياً منذ افتتاحه في موقع النصب التذكاري بالعاصمة واغادوغو في مايو/أيار 2025. ويتميز المبنى بجدرانه المصنوعة من الطين المحروق ذي اللون الترابي، والتي تتخللها فتحات مثلثة مرتفعة.

ويصطحب مرشدون متطوعون الزوار إلى المكان الذي اغتيل فيه سانكارا في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1987، كما يعرضون السيارة العسكرية التي استخدمها خلال سنوات الثورة التي شهدتها البلاد.

وبعد مرور 39 عاماً على مقتل سانكارا و12 من رفاقه، لا يزال رمزاً بارزاً للوحدة الأفريقية ومناهضة الإمبريالية، ومصدر إلهام لكثيرين داخل أفريقيا وخارجها.

غير أن إرثه تحول أيضاً إلى أداة للتوظيف السياسي، خصوصاً من قبل قائد المجلس العسكري الكابتن إبراهيم تراوري، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب في 30 سبتمبر/أيلول 2022، وحرص منذ ذلك الحين على تقديم نفسه باعتباره الوريث السياسي لسانكارا.

“وريث الثورة”

خلال افتتاح الضريح في 17 مايو/أيار، ردد الحضور شعار “وايان” (Wayiyan) بلغة الموري، وتعني “الخروج بقوة”، وهو الشعار الذي يتبناه أنصار تراوري. ورغم غياب الأخير عن المناسبة، فإن رئيس وزرائه جان إيمانويل ويدراغو ألقى كلمة باسمه رسم فيها خطاً مباشراً يربط بين مشروع سانكارا السياسي والحكم الحالي.

Ouagadougou-Wikipedia ضريح سانكارا في بوركينافاسو.. تخليد للثورة أم أداة سياسية؟

وقال: “لقد حمل أسلافنا في الثورة الديمقراطية والشعبية بقيادة الكابتن سانكارا هذا المثل الأعلى، ونحن اليوم نحمل الشعلة نفسها في النضال ضد الإمبريالية من خلال الثورة الشعبية التقدمية”.

وجاءت هذه التصريحات بعد شهرين من اعتماد ميثاق سياسي جديد ألغى الأحزاب السياسية وأسقط توصيف “الفترة الانتقالية”، كما فتح الباب أمام تراوري للترشح في انتخابات مستقبلية محتملة.

وخلال المناسبة، خاطب العقيد أول داودا تراوري، رئيس اللجنة الدولية لنصب توماس سانكارا التذكاري، قائد المجلس العسكري قائلاً: “ثقوا بالتزامنا ودعمنا”.

انتقادات واستحواذ على الإرث

يرى منتقدون أن السلطة الحالية تستحوذ على إرث سانكارا لخدمة أهدافها السياسية. ويقول الباحث الفرنسي برونو جافري، أحد أبرز كُتاب سيرته: “الغرض من النصب التذكاري هو التعريف بسانكارا، لا دعم أي سلطة سياسية مهما كانت. فهناك كثير من المعجبين بسانكارا لا يرون أنفسهم في ما يفعله تراوري اليوم”.

رئيس-بوركينافاسو-السابق-بليز-كومباوري ضريح سانكارا في بوركينافاسو.. تخليد للثورة أم أداة سياسية؟
رئيس بوركينافاسو السابق بليز كومباوري

وكانت الجهات المؤسسة للمشروع، المنحدرة من المجتمع المدني، حريصة في البداية على إبقاء السياسيين بعيداً عنه. لكن الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس السابق بليز كومباوري عام 2014 أعادت إحياء أسطورة سانكارا في الوعي العام.

وفي عام 2015 أطلقت مجموعة شبابية مبادرة لترميم المقبرة التي دفن فيها سانكارا ورفاقه. وفي العام نفسه نُبشت الجثامين الثلاثة عشر لإجراء فحوص جنائية ساهمت لاحقاً في المحاكمة التي انتهت عام 2022 بالحكم غيابياً على كومباوري بالسجن المؤبد.

انقسامات حول المشروع

وأثار السعي للحصول على تمويل حكومي للنصب انقساماً بين من يعتبرون أنفسهم “حراس إرث سانكارا”. فقد أيّد وزير الثقافة السابق طاهيرو باري المشروع، بل جعله ركناً أساسياً في حملته الرئاسية لعام 2020، متعهداً بتخصيص 35 مليار فرنك أفريقي لتمويله.

الرئيس-البوركيني-إبراهيم-تراوري ضريح سانكارا في بوركينافاسو.. تخليد للثورة أم أداة سياسية؟
الرئيس البوركيني إبراهيم تراوري

ويقول الناشط المدني سليمان ويدراغو، المطلع على المشروع: “أدرك بعض الأشخاص أن الارتباط بصورة سانكارا يمكن أن يحقق مكاسب سياسية. حتى الرئيس السابق روش مارك كريستيان كابوري فهم ذلك، واليوم يفعل تراوري الشيء نفسه، إلى حد إساءة استخدام صورة سانكارا”.

قرار فرضه الحكم العسكري

وخلال حكم تراوري تسارعت وتيرة المشروع. وكانت اللجنة المشرفة على النصب تواجه صعوبة في إقناع عائلات الضحايا الآخرين باعتماد مجمع “مجلس الوفاق”، حيث اغتيل سانكارا، موقعاً للنصب التذكاري.

لكن تراوري حسم الأمر بقرار مباشر، وأُعلن في 17 فبراير/شباط 2023 عن إعادة دفن الرفات في الموقع.

ووصف أحد المشاركين في المشروع القرار بأنه “فُرض بالقوة”، فيما أكد مصدر آخر أن عدة خيارات كانت مطروحة قبل أن يأتي القرار “من أعلى هرم السلطة”، الأمر الذي صدم عائلات الضحايا.

ضريح-سانكارا-في-بوركينا-فاسو-960x640 ضريح سانكارا في بوركينافاسو.. تخليد للثورة أم أداة سياسية؟
ضريح الرئيس البوركيني الراحل توماس سانكارا

ومنذ ذلك الحين أصبح المشروع أولوية لدى المجلس العسكري، كما بات الخطاب المحيط بالنصب يعكس إلى حد كبير رواية السلطة الحالية.

بين سانكارا وتراوري

ويرى بعض المنتقدين أن المشاركة في إحياء ذكرى سانكارا باتت مشروطة عملياً بدعم ما تسميه السلطة “الثورة الديمقراطية والشعبية”. وقال أحدهم: “يبدو الأمر وكأنه نهاية للنضال. فبما أن سانكارا يُقدَّم اليوم وكأنه يتجسد في شخص تراوري، يصبح دعم الأخير بلا تحفظ أمراً مفروضاً”.

وربما كان سانكارا نفسه سيرفض هذا التوجه. ففي خطاب ألقاه أمام الأمم المتحدة عام 1984 حذّر من عبادة الفرد قائلاً:

“لست مسيحاً ولا نبياً، ولا أملك الحقيقة المطلقة”.

المصدر: أفريكا ريبورت