أهم العناوين

ديمقراطية على ورق.. لماذا لا يمكن تصديق انتخابات جنوب السودان؟

يتحدث العالم كثيراً عن الانتخابات باعتبارها لحظة ميلاد الديمقراطية، لكن في جنوب السودان تحولت الانتخابات إلى مسرحية عبثية تكشف هشاشة الدولة أكثر مما تبنيها.

فبين رئيس يحكم منذ الاستقلال عام 2011، ومعارض محبوس بتهمة الخيانة، ومفوضية انتخابات يرأسها رجل توفي قبل خمس سنوات، تبدو الديمقراطية في أحدث دول العالم مجرد وهم يخدم استمرار السلطة.

لم يجد الرئيس سلفا كير حرجاً في تعيين رجل ميت ضمن لجنة الإشراف على الانتخابات، وهو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها، حيث ذكرت أن “ستيوارت سوروبو بوديا، وهو سياسي معارض، كان واحداً من حوالي 70 شخصاً تم تعيينهم في اللجنة الشهر الماضي، لكن السيد بوديا لم يستطع الخدمة فيها لأنه توفي قبل خمس سنوات”.

هذه الحادثة، التي صححها مسؤولون محرجون لاحقاً، ليست مجرد خطأ إداري، بل مؤشر صارخ على “الفوضى التي غلفت جنوب السودان في الأشهر الأخيرة، بينما يحاول كير تعزيز حكومته المحاصرة بينما تنزلق البلاد نحو حرب أهلية جديدة”، وحين يصبح الموتى أعضاء في لجان الانتخابات، فما الذي يمكن أن ننتظره من اقتراع يدعي أنه سينقل البلاد إلى الديمقراطية؟

إلغاء الشروط لا يصنع شرعية

وفي خطوة وصفتها رويترز بأنها إزالة للعقبات، وقّع كير تعديلات على قانون الانتخابات تلغي شرط إقرار دستور دائم وإجراء تعداد سكاني وطني قبل الاقتراع.

وبموجب هذه التعديلات، حل كير الحكومة الانتقالية وأقال نوابه الخمسة وحل البرلمان، وتقول بي بي سي في تقريرها إنه “لا يوجد شخصيات بارزة أعلنت خططاً لتحديه في انتخابات ديسمبر”، فكيف يمكن لانتخابات أن تكون ذات معنى إذا كان المنافس الرئيسي، ريك مشار، تحت الإقامة الجبرية منذ مارس 2025 ويحاكم بتهم الخيانة والقتل؟ وحين يرفض حزبه، الحركة الشعبية لتحرير السودان-المعارضة، المشاركة في الاقتراع، محذراً من أن البلاد دخلت “أزمة دستورية وشرعية”، فإن ما يسمى بالانتخابات يتحول إلى استفتاء على بقاء كير، لا على اختيار قيادة جديدة.

تمويل غائب.. ودعم دولي متردد

وتكشف الفوضى المالية حجم العبث، فقد أعلن رئيس المفوضية الوطنية للانتخابات، قبل إقالته، أن المفوضية تحتاج إلى 250 مليون دولار لإجراء الانتخابات، لكنها لم تتلقَ سوى 21 مليون دولار.

وفي حين لم يتلقَ جنوب السودان دعماً غربياً كافياً، لجأت واشنطن إلى الضغط المالي، إذ هددت بعدم تمويل الانتخابات ما لم يُجرِ حوار سياسي جاد، وتضيف بي بي سي أن “الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج أعربت عن قلقها العميق إزاء إعلان تأجيل الانتخابات لعامين، ووصفت التمديد بأنه فشل”، هذا الموقف الدولي يكشف أن المجتمع الغربي لم يعد يرى في انتخابات كير مشروعاً ديمقراطياً، بل أداة لتمرير شرعية مزعومة.

الانتخابات أداة استمرار لا انتقال

لا يمكن قراءة المشهد في جنوب السودان إلا باعتباره فصلاً من مسرحية أوسع، حيث يستخدم كير الانتخابات كأداة لترسيخ سلطته، لا للتخلي عنها.

وحين يموت المرشحون في اللجان، ويُعتقل المنافسون، ويُلغى الدستور، ويغيب التمويل، تتحول صناديق الاقتراع إلى ديكور في مسرح السلطة، فالديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى حريات لا إلى تعديلات قانونية، وإلى منافسة لا إلى إقصاء، وإلى شعب يختار لا إلى حكومة تملي.

وحتى ذلك الحين، ستبقى انتخابات جنوب السودان مجرد ديمقراطية على ورق، تحرسها أرواح الموتى وتمويل غائب وشعب ينتظر فجراً قد لا يأتي.

خاص – منصة أفريقيا