
كامل إدريس.. عندما يحل “جر المقاس” أزمة الوقود
في مشهد يلخص حالة الإنكار التي يعيشها المسؤولون، خرج رئيس الوزراء كامل إدريس مؤخرا ليطمئن المواطنين بأنه “لا توجد أي ندرة في المواد البترولية”.
لم يتوقف الأمر عند حدود التطمين، بل تجاوزه إلى السخرية حين وقف أمام إحدى محطات الوقود، وبعد أن قاس أحد العاملين مستوى الوقود في الخزان باستخدام “ماسورة قياس” بسيطة، أعلن بكل ثقة: “الله أكبر.. لا توجد أزمة وقود ولا أزمة غاز في السودان”.
هذا التصريح، الذي فجر موجة من السخرية الواسعة على منصات التواصل، لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، بل كشف عن فجوة عميقة بين رواية الحكومة وواقع الشارع. ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء “يقيس” الوقود بمسطرة، كانت صفوف السيارات أمام محطات الوقود تمتد لمسافة 3 كيلومترات.
تقارير دولية، مثل تلك التي نشرتها وكالة أفريكا نيوز وثقت كيف أدت هذه الأزمة إلى شلل في حركة النقل وارتفاع أسعار البنزين إلى الضعف في السوق السوداء، مشيرة إلى أن “المواطنين يحتاجون إلى حلول، لا وعود”.
وبينما كان إدريس يرى أن “الحرب الاقتصادية مقدور عليها”، كانت التقارير تؤكد أن أزمة الوقود تفاقمت بسبب توقف مصفاة الجيلي ونقص العملة الأجنبية، وهي مشكلات هيكلية لا يمكن لمسطرة أن تحلها.
في مايو 2025، وعد كامل إدريس السودانيين بـ”حكومة الأمل”، وبأنه سيكون “خادماً لا حاكماً”، ولكن بعد أكثر من عام، تحولت الوعود إلى مادة للسخرية، والرجل إلى مشهد عبثي يلخص أزمة دولة تبحث عن رئيس وزراء.
في الأعراف السياسية، يُفترض أن يمثل رئيس الوزراء سيادة بلاده وكرامتها الوطنية، لكن كامل إدريس، رئيس وزراء “حكومة الأمل” السودانية، اختار أن يكتب فصلاً جديداً في علم البروتوكول، عنوانه: “كيف تفقد هيبة الدولة في ثلاث زيارات متتالية”.

هتاف لأفورقي
في زيارته إلى إريتريا، هتف وسط الحشود: “عاش الرئيس أسياس أفورقي!”، وهو مشهد يصفه الكاتب مهدي داود الخليفة بأنه “تعبير مؤلم عن انهيار مفهوم الدولة وهيبة السلطة في السودان”، ثم جاءت زيارة السعودية بلا استقبال رسمي رفيع، فقرأ السودانيون المشهد باعتباره “انعكاسًا لحجم التراجع الذي أصاب صورة الدولة السودانية إقليميًا”.
ولم يكن الأمر أفضل في لندن، حيث لم يلتقِ بأي مسؤول بريطاني رفيع، ليعزز الانطباع بأن “منصب رئيس الوزراء نفسه لم يعد يحظى بما كان يجده من احترام واعتبار في العواصم الكبرى”.
لكن المشهد الأكثر إيلاماً كان لقاءه مع رئيس وزراء بنغلاديش، حيث بدا وكأنه يبحث عن دور في مشهد لا يعرفه، وإذا كانت هذه الهفوات البروتوكولية وحدها كافية لإسقاط هيبة أي مسؤول، فإن الأخطاء الإدارية لرئيس الوزراء تجعلها تبدو وكأنها مجرد مسرحية هزلية على هامش مأساة حقيقية.
في يونيو 2026، كشف تقرير لصحيفة “ذي الناشونال ” أن إدريس “يواجه انتقادات متصاعدة داخلياً بسبب تعامله مع الشؤون اليومية للبلاد، وسط تقارير عن أنه سيتم استبداله”، والسبب؟ “إخفاقه في استعادة الخدمات الأساسية في الخرطوم التي دمرتها الحرب”.
وحتى حلفاؤه من المؤيدين للجيش بدأوا يتبرمون منه. ويصف المحلل السوداني سامي سعيد سبب تعيينه أصلاً قائلاً: “تم اختيار إدريس لأنه لم يكن لديه انتماء سياسي أو أنصار يمكن أن يقلقوا مجلس السيادة، وكان من السهل تحميله كل الإخفاقات أو تقويض سلطته لأنه لم يكن لديه من يدافع عنه”.
ومع ذلك، لم يتوقف إدريس عن إنتاج المبادرات، ففي ديسمبر 2025، وقف أمام مجلس الأمن ليقدم “خريطة سلام” تتضمن وقف إطلاق النار وانسحاب قوات الدعم السريع ونزع سلاحها. لكن مراقبين وصفوا الخطاب بأنه “مضيعة للوقت”، لأنه “ببساطة أعاد تدوير مقترحات قديمة سبق أن فشلت”.

ملف الفساد
وإذا كانت المبادرات غير واقعية، فإن ملف الفساد يضيف طبقة أخرى من السخرية، فتقارير “إندبندت إرابيا” تشير إلى أن الانتقادات تتركز على “ما أثير من فساد إبان توليه منصب رئيس المنظمة العالمية للملكية الفكرية، فضلاً عن ابتعاده من البلاد فترات طويلة مما يجعله مغيباً عن الواقع”، وحتى قصة “تبرعه” براتبه للمساجد، التي حاول مجلس الوزراء الدفاع عنها، انتهت بإعلان المجلس نفسه “تحريك إجراءات قانونية” ضد من نشر القصة، في محاولة لاحتواء الأزمة.
ويلخص تقرير معهد واشنطن يلخص المفارقة: إدريس “تم تعيينه لتقديم وجه مدني مقبول للمجتمع الدولي”، ويرى المعهد أن تعيينه ليس “تطوراً جديداً أو علامة على مرحلة جديدة”، بل “جزءاً من الآلية التقليدية لوضع واجهة مدنية دون الوصول إلى جوهر السلطة”.
وفي النهاية، يمكن القول إن كامل إدريس لم يفشل كرئيس وزراء فحسب، بل نجح في تقديم درس عملي في كيف يمكن لمنصب سيادي أن يتحول إلى مادة للسخرية، وربما يكون أفضل ما فعله هو أنه لم يعد يعد السودانيين بشيء جديد، لأنهم ببساطة لم يعودوا يصدقون أي شيء يقوله.
خاص – منصة أفريقيا
إبراهيم محمد صالح
شكرا الأستاذ، الصادق البديري مقال مهم في الشأن السوداني. وتحليل غاية في الدقة
التعليقات مغلقة.



























تعليق واحد