
النيجر تسعى لجذب استثمارات جديدة لإحياء قطاع اليورانيوم
تسعى النيجر إلى إعادة تنشيط قطاع اليورانيوم وجذب استثمارات دولية جديدة، في وقت تعمل فيه السلطات على تعزيز سيطرتها على الموارد المعدنية، وتنويع شركائها، وتخفيف اعتمادها على الشركات الفرنسية التي هيمنت لسنوات على صناعة اليورانيوم في البلاد.
وتأتي هذه المساعي بعد إعلان الولايات المتحدة موافقتها على تمويل يصل إلى 414 مليون دولار لتطوير مشروع داسا لليورانيوم، الذي تديره شركة غلوبال أتوميك الكندية. ومن المتوقع أن يقدم التمويل عبر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية، على شكل تسهيلات ائتمانية لدعم المشروع.
وتصف الشركة مشروع داسا، الواقع في وسط النيجر، بأنه أحد أعلى مكامن اليورانيوم تركيزًا في أفريقيا. وقد يمثل التمويل الأميركي خطوة مهمة لتأمين مصدر جديد لليورانيوم، الذي أدرجته الولايات المتحدة ضمن قائمة المعادن الحيوية، في ظل سعي واشنطن إلى تنويع سلاسل إمدادات المواد الخام الاستراتيجية.
اتفاق جديد يعزز حصة الدولة
وفي أغسطس الماضي، أبرمت النيجر اتفاقية تعدين جديدة لتطوير مشروع ماداويلا في شمال البلاد، منحت بموجبها الحكومة حصة تبلغ 40% من المشروع، مقابل 60% لشركة أتوميك إيغل الأسترالية، التي تتولى مسؤولية التشغيل.
وجاء الاتفاق بعد نزاع استمر عامين، أعقب سحب السلطات النيجرية رخصة المشروع عام 2024 من شركة غوفي إكس الكندية، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من شركة أتوميك إيغل بعد اندماجها مع شركة تومبادور آيرون.

وبموجب الاتفاق الجديد، تتوزع حصة النيجر بين 15% مجانية و25% مساهمة، كما تحصل الحكومة على خط ائتمان بقيمة 40 مليون دولار لتمويل التزاماتها في الجزء المساهم من المشروع.
وتلتزم الشركة بدفع 10 ملايين دولار للدولة، بواقع 5 ملايين دولار خلال 30 يومًا من إصدار رخصة الاستغلال، و5 ملايين أخرى عند بدء أعمال البناء. كما يتعين عليها تحديث دراسات الجدوى والتقييمات البيئية والاجتماعية وتأمين التمويل اللازم خلال مهلة تصل إلى عامين.
وتشمل الالتزامات المعلنة للمشروع توفير نحو ألف فرصة عمل للنيجريين، وإعطاء الأولوية للشركات المحلية في التوريد والخدمات، إلى جانب دعم بناء قدرات الإدارة المنجمية في البلاد.
وتشير التقديرات التاريخية إلى أن مشروع ماداويلا يحتوي على نحو 52.9 مليون كيلوغرام من أكسيد اليورانيوم، بينها موارد مرجحة تبلغ 44 مليون كيلوغرام وموارد مستنبطة بنحو 8.9 ملايين كيلوغرام، مع العمل على تحديث هذه البيانات وفق المعايير الأسترالية المعتمدة.
محاولة لتنويع الشركاء
وتعد النيجر من أبرز منتجي اليورانيوم عالميًا، إذ احتلت المرتبة السابعة عالميًا وفق تقرير لرويترز، غير أن قطاعها يواجه منذ سنوات تحديات سياسية وأمنية ولوجستية كبيرة.
وكانت شركة أورانو الفرنسية، المعروفة سابقًا باسم أريفا، تهيمن على جزء كبير من إنتاج اليورانيوم في النيجر، ولا سيما عبر شركة سوماير العاملة في منطقة أرليت شمال البلاد. إلا أن العلاقات بين نيامي وباريس تدهورت بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم في يوليو 2023.

وفي يونيو 2025، فرضت السلطات النيجرية سيطرتها على منجم سوماير، متهمة الشركة الفرنسية بتجاوز الحدود التعاقدية في استخراج اليورانيوم. وردت أورانو بإطلاق إجراءات قضائية وتحكيمية دولية، كما دخل الطرفان في نزاع بشأن مشروع إيمورارين، أحد أكبر مكامن اليورانيوم غير المستغلة في البلاد.
وتحاول النيجر، في المقابل، فتح قطاعها أمام شركاء جدد، من بينهم الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، إضافة إلى روسيا والصين، بهدف الحصول على التمويل والتكنولوجيا والأسواق، مع الاحتفاظ بحصة أكبر من العائدات.
تحديات أمنية ولوجستية
ورغم الاهتمام الاستثماري المتزايد، تواجه مشاريع اليورانيوم في النيجر عقبات كبيرة، أبرزها تدهور الوضع الأمني في مناطق التعدين، واستمرار هجمات الجماعات المسلحة، فضلًا عن صعوبة نقل الإنتاج من دولة غير ساحلية إلى موانئ التصدير.
وتبحث شركة غلوبل أتوميك عن مسارات بديلة لتصدير إنتاج مشروع داسا. ومن بين الخيارات المطروحة إنشاء طريق باتجاه الشمال عبر الصحراء الجزائرية، بدل الاعتماد على الممرات التقليدية نحو موانئ غرب أفريقيا، التي أصبحت أكثر عرضة للمخاطر الأمنية والسياسية.

كما يأتي التمويل الأميركي في سياق تقارب حذر بين واشنطن ونيامي، بعد مغادرة القوات الأميركية النيجر عام 2024 إثر توتر العلاقات مع السلطات العسكرية الجديدة. وتعتمد الحكومة النيجرية حاليًا بدرجة أكبر على روسيا في المجال الأمني، ما يجعل مشاريع اليورانيوم محل اهتمام اقتصادي واستراتيجي للقوى الدولية.
رهان على عوائد أكبر
وتأمل الحكومة النيجرية أن يساعد رفع حصتها في المشاريع الجديدة على زيادة الإيرادات المحلية، وتوفير فرص عمل، وتطوير البنية التحتية، بدل الاكتفاء بدور الدولة المضيفة للمناجم.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطًا بقدرة نيامي على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وتسوية النزاعات مع الشركات الأجنبية، وضمان أمن مناطق التعدين، وتأمين طرق نقل قابلة للاستمرار، إضافة إلى جذب التمويل اللازم لبناء المناجم والمنشآت المرتبطة بها.
وبذلك، تبدو النيجر أمام محاولة لإعادة صياغة قطاع اليورانيوم على أساس شراكات متعددة وحصة حكومية أكبر، غير أن تحويل الاتفاقيات والتمويلات المعلنة إلى إنتاج فعلي سيحتاج إلى تجاوز تحديات أمنية وقانونية ولوجستية معقدة.
المصادر: وكالات


























