أهم العناوين

الشاعر عبد العظيم أكول.. العلم والقصيدة في سيرة وطن

ثمّة مبدعون لا تكفي مهنة واحدة للإحاطة بعوالمهم، ولا يستوعب لقب منفرد اتساع تجاربهم، لأنهم يمضون في الحياة وكأنما يحملون أكثر من قلب، ويطرقون أبواب المعرفة والإبداع بأكثر من مفتاح. ومن هؤلاء الاستاذ الدكتور عبد العظيم محمد عثمان، المعروف في الوجدان السوداني باسم عبد العظيم أكول؛ الشاعر الذي صاغ من الحنين قصائد، ومن ذاكرة الوطن أغنيات، ومن الكلمة الصحفية جسراً إلى الناس، ومن المعرفة الأكاديمية رسالةً تتجاوز حدود قاعات الدرس إلى فضاءات الوعي والثقافة.

إنه واحد من أولئك الذين اختاروا أن يهبوا أعمارهم للكلمة، لا بوصفها حرفةً عابرة، وإنما باعتبارها انحيازاً إلى الإنسان، وإيماناً بأن الشعر حين يلامس الوجدان يصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية، وأن الصحافة حين تستقيم على المهنية تغدو شاهداً على عصرها، وأن التعليم حين يخلص لرسالته يصنع أجيالاً قادرة على حمل مشاعل المعرفة.
وفي هذه المسارات الثلاثة، أمضى عبد العظيم أكول سنوات طويلة، جامعاً بين رهافة الشاعر، ومثابرة الصحفي، وانضباط الأكاديمي، في تجربة تستحق أن تُقرأ بإنصاف، وأن تُوثّق بما يليق بما قدمته للثقافة السودانية.

وُلد عبد العظيم محمد عثمان محمد في التاسع عشر من سبتمبر عام 1959 بمدينة كاكا التجارية، في منطقة أعالي النيل بجنوب السودان، قبل انفصال الجنوب. وهناك، في تلك البقعة التي تتعانق فيها الأنهار والثقافات، بدأت حكايته الأولى، في بيئة إنسانية متعددة المشارب، كان للتجارة والأسفار والاختلاط بالمجتمعات المختلفة أثرها في تشكيل وجدانه المبكر. وتعود جذور أسرته، إلى قرية أم الطيور وجبل أم علي بولاية نهر النيل، فيما استقر أجداده في كاكا منذ مطلع القرن العشرين، واندمجوا في نسيجها الاجتماعي، وأقاموا علاقات وثيقة مع أهلها من مختلف المجموعات السكانية.

أما لقب «أكول»، الذي غدا اسمهُ الأشهر في الأوساط الأدبية والفنية، فيحمل حكايةً من حكايات التداخل الإنساني السوداني. فقد ارتبط اللقب بجده محمد أحمد إبراهيم، أحد كبار تجار كاكا، وأنه جاء من تسمية أطلقها عليه أصدقاؤه من قبيلة الدينكا، بمعنى «الشمس المشرقة». وهكذا انتقل الاسم عبر الأجيال، حتى استقر على الشاعر الذي سيعرفه الناس به، وكأنما ورث مع اللقب شيئاً من دلالته المضيئة، فصار يحمل في قصائده ومقالاته ما يشبه الضوء الذي يبحث عن طريقه وسط عتمة الأيام.

غير أن طفولة أكول لم تكن نزهةً هادئة في دروب الحياة؛ فقد شهدت أسرته أحداث كاكا الدامية عام 1966، واضطرت إلى الانتقال نحو كوستي، بعد أن خلّفت تلك الأحداث جراحاً عميقةً في العائلة والذاكرة. وفي كوستي، المدينة التي احتضنت الأسرة بعد الفقد والنزوح، واصل تعليمه، ثم امتدت رحلته إلى أبو جبيهة بجنوب كردفان، حيث بدأ مرحلته الابتدائية، قبل أن يعود إلى كوستي لمواصلة دراسته في المدرسة الأهلية المتوسطة، ثم مدرسة كوستي القوز الثانوية.

كانت تلك التنقلات، بما انطوت عليه من تبدّل الأمكنة والوجوه، أكثر من مجرد محطات في سجل التعليم؛ لقد كانت درسًا مبكراً في معرفة السودان من داخله، في تنوعه الثقافي والاجتماعي، وفي أفراحه وأوجاعه، وفي تلك الروابط التي تنشأ بين الناس على الرغم من اختلاف أصولهم ولهجاتهم ومواطنهم. ولعل هذا المخزون الإنساني هو ما منح شعره لاحقاً قدرةً على تجاوز حدود التجربة الفردية، ليصبح قريباَ من وجدان المستمع الذي يجد في الكلمات شيئاً من حكايته الخاصة.

Four-Men-In-Traditional-Attire-edited-2-300x194 الشاعر عبد العظيم أكول.. العلم والقصيدة في سيرة وطن

القدوم لأم درمان

وفي عام 1981، اتخذ الشاب قراره بالقدوم إلى أم درمان، المدينة التي ستصبح المنعطف الأكبر في مسيرته، ومنها ستبدأ ملامح مشروعه الشعري والصحفي والأكاديمي في التبلور. جاءها، كما يروي، على سطح القطار، في صورة تختصر شيئاً من مغامرة البدايات، ومن إصرار شاب آمن بأن مستقبله لا يُمنح له جاهزاً، وإنما ينتزعه بالعمل والصبر والمثابرة. وقد ظل ينظر إلى أم درمان باعتبارها مدينة الفضل والانطلاق، المدينة التي فتحت له أبواب الصحافة ومنتديات الشعر ومجالس الفن، وأتاحت له الاقتراب من أعلام الإبداع السوداني الذين طالما قرأ لهم واستمع إلى أعمالهم.

ولم يكد يستقر في العاصمة حتى بدأ يقترب من اتحاد شعراء الأغنية السودانية، حيث التقى في مطلع الثمانينيات مجموعة من الشعراء الشباب الذين كانوا يحاولون شق طريقهم في عالم القصيدة المغناة. وهناك تعرّف إلى الاستاذ مبارك المغربي رئيس الاتحاد والشاعر الكبير محمد يوسف موسى، الذي أصبح واحداً من أقرب الناس إليه، وتولى تشجيعه وتقديمه في الصحافة والوسط الفني. وفي شهادته التي كتبها مقدمةً لديوان أكول «الزمن الصعب»، وصفه محمد يوسف موسى بصفات تتجاوز الموهبة الشعرية إلى أخلاق صاحبها، مشيداً بتواضعه ووفائه وشغفه بالمعرفة، ومؤكداً أنه كان من أكثر الشعراء الشباب التصاقاً به، وحرصاً على الاستماع إلى تجارب الرواد والتعلم منها.

وكانت تلك العلاقة أكثر من صلة بين شاعر ناشئ وشاعر مخضرم؛ فقد مثّلت جسراً بين جيلين، وأتاحت لأكول أن يتلقى من خبرات أساطين الأغنية السودانية، وأن يتعرف عن قرب إلى طرائقهم في بناء النص، وصياغة الصورة، واختيار المفردة، وإدراك العلاقة الدقيقة بين الشعر واللحن والصوت. وقد ظل يذكر من أولئك الذين جاورهم وتعلم منهم محمد بشير عتيق، وعبد الرحمن الريح، وسيف الدين الدسوقي، إلى جانب أسماء كبيرة أخرى من شعراء الأغنية السودانية، كما ربطته علاقات إبداعية وإنسانية بعدد من الشعراء الذين جاءوا في أجيال لاحقة.

وفي تلك الأجواء، بدأت قصائده تجد طريقها إلى الصحافة وإلى لجان إجازة النصوص الشعرية بالإذاعة والتلفزيون. وقد أُجيزت له أولى القصائد في مطلع الثمانينيات، وهي خطوة كانت تعني الكثير لشاعر شاب يتطلع إلى أن يرى كلماته وقد خرجت من حيز التجربة الخاصة إلى فضاء المستمعين. ومع اتساع تجربته، لم يعد أكول مجرد اسم جديد في مجال الشعر الغنائي، بل أخذ يشق طريقه بثبات، مستنداً إلى ثقافة أدبية متنامية، ووعيٍ بأهمية التراث الغنائي، وقدرة على استيعاب تحولات الذائقة السودانية.

ومنذ عام 1982، بدأت رحلته المهنية في جامعة أم درمان الإسلامية، حيث التحق بالعمل موظفاً وإدارياً، ثم انتقل إلى هيئة التدريس بكلية الإعلام، وتدرج في المسؤوليات الأكاديمية حتى تولى رئاسة قسم الصحافة، ثم منصب نائب العميد، وصولاً إلى درجة الأستاذ المشارك. كما تولى عمادة كلية الإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية، بعد أن راكم خبرةً علميةً وعمليةً جعلته واحداً من الوجوه المعروفة في مجال التعليم الإعلامي بالسودان.

ولم يكن حضوره الجامعي حضور موظف يؤدي واجبه ثم ينصرف؛ فقد شهد طلابه، وفق شهادات عدد منهم، على قدرته على تحويل المحاضرة إلى مساحة للحوار، وعلى ربط المعرفة النظرية بالتجربة الصحفية الواقعية. وكان يؤمن بأن الإعلام لا يُختزل في تعلم التحرير الصحفي أو الإخراج أو تقنيات النشر، وإنما يقوم كذلك على أخلاقيات المهنة، وفهم المجتمع، واحترام عقل المتلقي، والإدراك العميق لمسؤولية الكلمة في تشكيل الرأي العام.

ومن اللافت في تجربته أنه لم يحصر نشاطه الأكاديمي داخل أسوار الجامعة، بل شارك في تأسيس مؤسسات تعليمية أخرى، من بينها جامعة العلوم والتقانة، وكلية شرق النيل، وكلية بحري الاهلية. كما تولى عمادة شؤون الطلاب بجامعة العلوم والتقانة، وامتدت خبرته إلى تقويم المؤسسات الجامعية، وتقديم البحوث وأوراق العمل، والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه. وهكذا تداخلت لديه مهمتا التدريس والممارسة، فكان الأستاذ الذي يعرف الصحافة من داخل غرف التحرير، والصحفي الذي يستند إلى المعرفة الأكاديمية في فهم الظواهر الإعلامية وتحليلها.

Four-Men-In-Traditional-Attire-edited-edited-edited-edited-edited-300x196 الشاعر عبد العظيم أكول.. العلم والقصيدة في سيرة وطن

خطواته الأولى في الصحافة

وفي الصحافة السودانية، بدأت خطواته الأولى مبكراً، ثم اتسع حضوره منذ مطلع الثمانينيات، فكتب في عدد من الصحف، وشارك في تحرير الصفحات والملفات الأدبية والثقافية والفنية، من بينها صحف «الصحافة»، و«الأسبوع»، و«السوداني»، و«الوطن»، إلى جانب «عالم النجوم»، و«المريخ»، و«أخبار الحوادث»، و«الدار»، ومجلة الإذاعة والتلفزيون، فضلًا عن مقالات نشرها في صحيفة «الأهرام» المصرية.

وكانت الصحافة بالنسبة إليه امتداداً طبيعياً لعلاقته بالكلمة؛ فالشاعر الذي يتأمل أحوال الناس في قصائده هو نفسه الصحفي الذي يسعى إلى قراءة مجتمعهم وتوثيق تحولاتهم. وفي منتصف الثمانينيات، شارك أستاذه محمد يوسف موسى في كتابة عمود صحفي بصحيفة «الأسبوع»، في تجربة أتاحت له تطوير أدواته التحريرية، وتوسيع معرفته بالحياة الثقافية، والاقتراب من تفاصيل المشهد الصحفي السوداني في واحدة من مراحله المهمة.

ولم يقتصر نشاطه على الكتابة، بل امتد إلى الإذاعة والتلفزيون، حيث أعد وقدم برامج ذات طابع ثقافي واجتماعي. ومن أبرز تجاربه برنامج «مكارم الأخلاق»، الذي ارتبط اسمه به لسنوات طويلة عبر الإذاعة السودانية، وكذلك سهرة «بيت القصيد» التي أعدها وقدمها على شاشة التلفزيون القومي بالاشتراك مع الشاعر مختار دفع الله. وقد أتاحت له هذه التجارب أن ينقل الشعر من صفحة الكتاب إلى فضاء الصوت والصورة، وأن يقدم الأدب للناس في صيغة حوارية أقرب إلى حياتهم اليومية.

وإذا كانت الصحافة قد كشفت عن قدرته على القراءة والتحليل، فإن الشعر الغنائي هو المجال الذي تسللت عبره كلماته إلى البيوت والطرقات والذاكرة العاطفية للسودانيين. ففي تجربته الشعرية، لا تبدو الأغنية مجرد حكاية حب عابرة، وإنما مساحة تتقاطع فيها العاطفة مع الوفاء، والغياب مع الانتظار، والحنين مع الخوف من تبدل الأيام. وهو شاعر يعرف أن القصيدة المغناة تحتاج إلى لغة قريبة من الأذن، عميقة في أثرها، وأن البساطة حين تصدر عن حس شعري حقيقي ليست فقراً في التعبير، بل قدرة على بلوغ المعنى من أقصر الطرق.

ومن أبرز الأعمال التي رسخت اسمه أغنية «يا روعة»، التي كتب كلماتها ولحنها وغناها الفنان عصام محمد نور، وارتبطت بموسمها الغنائي عام 2005. ففي هذا النص تتجلى قدرته على بناء خطاب عاطفي يجمع بين رقة النداء ومرارة الفراق، وبين استدعاء الماضي والتشبث بأهداب الأمل. وحين يقول:

«يا روعة لو عز اللقاء
فرقنا يا حلوة القدر
في الروعة قاسم مشترك
ما بين وجيهك والقمر»

فإنه لا يكتفي باستحضار جمال المحبوبة، بل يجعل الاسم نفسه مدخلاً إلى صورة شعرية، تتداخل فيها ملامح الوجه بضوء القمر، ويصبح الجمال نقطة التقاء بين الإنسان والطبيعة. ثم تمضي القصيدة إلى مساحة أعمق، حيث يواجه العاشق قسوة الغياب بإرادة الوفاء، فيتخذ الحب شكل رحلة لا تنتهي بمجرد الفراق، وإنما تظل معلقة بإمكانية استعادة ما انقطع.

Four_Men_In_Traditional_Attire-edited-300x163 الشاعر عبد العظيم أكول.. العلم والقصيدة في سيرة وطن

من دنياك مهاجر

وقد غنى لعصام محمد نور عدد من أعمال أكول، من بينها «أصلي من دنياك مهاجر»، التي تنتمي إلى عالم الشوق والاغتراب، وتكشف عن اهتمام الشاعر بتصوير المسافة النفسية بين المحبوبة والعاشق، لا المسافة المكانية وحدها. كما غنى له الفنان الراحل نادر خضر أغنية «هو البقولو الناس شوية»، المعروفة كذلك بعبارة «القدر فرقنا منك»، وهي من الأعمال التي ارتبطت بصوته وتجربته الغنائية.

ومن الأغنيات التي تكشف وجهاً آخر في تجربته «الزمن الصعب»، التي كتب كلماتها ولحنها محمد عبد القادر وغناها الفنان حمد الريح. هنا يتجاوز الشاعر خصوصية العاطفة الفردية إلى تأمل أحوال المجتمع وتحولات الزمن، فيرسم مشهداً من الخيبة والدهشة، ويستعيد ملامح عالم قديم كان أكثر ألفةً وطمأنينةً. يقول فيها:

«الليلة مالك يا زمن
كترت فينا الاندهاش
تزيد عجايب كل يوم
والزهرة جافاها الفراش»

إنها شكوى لا تنحصر في الزمن بوصفه تعاقباً للأيام، وإنما تتوجه إلى التحولات التي تصيب العلاقات الإنسانية، وإلى انحسار الأمل حين تتكاثر المفاجآت القاسية. وحين يستعيد الشاعر «الناس الزمان» الذين كانوا «في الحوبات دهب»، فإنه لا يهرب إلى الماضي هروباً ساذجاً، بل يقيس به مقدار ما أصاب الحاضر من تشتت وتبدل، ويستحضر القيم التي كان الناس يجدون فيها سندهم في أوقات الشدة.

ولعل هذه القدرة على الانتقال بين الغزل والتأمل الاجتماعي، وبين الحنين الخاص والوجع العام، هي ما منح أعماله مساحة واسعة في وجدان المستمعين. فقد كتب وغنى بكلماته فنانون من أجيال ومدارس مختلفة، من بينهم حمد الريح، وعلي اللحو، ومحمد ميرغني، وإسماعيل حسب الدائم، والهادي الجبل، وخليل إسماعيل، وعاطف السماني، ومحمود تاور، وهاشم ميرغني، وخالد الصحافة، إلى جانب عصام محمد نور ونادر خضر. كما غنت له فنانات، منهن إنصاف مدني، وفهيمة عبد الله، وحرم النور، وأفراح عصام.

وتكشف هذه القائمة عن اتساع علاقاته الفنية، وعن قدرة نصوصه على الوصول إلى أصوات متعددة، من دون أن تفقد صلتها بروحها الأولى. وقد كان الشاعر حريصاً على مجالسة الفنانين والملحنين، ومن الذين تعاون معهم موسيقيون وملحنون من بينهم عمر الشاعر، ويوسف القديل، وأحمد المك، والعاقب محمد حسن، وغيرهم. وفي هذا التعاون تتجلى طبيعة الأغنية السودانية بوصفها عملاً جماعياً، تتكامل فيه الكلمة واللحن والأداء، مع بقاء النص الشعري أساساً لا غنى عنه في بناء التجربة.

ولم يقتصر عطاؤه على الأغنية؛ فقد اتجه إلى القصة والرواية القصيرة، حيث انه قد فاز بالجائزة الأولى في مسابقة للرواية القصيرة على مستوى الوطن العربي عام 1992. وهي محطة جديرة بالاهتمام في قراءة تجربته، لأنها تكشف عن اتساع اهتماماته الأدبية، وعن أن الشاعر لم يكن أسير شكل واحد من أشكال الكتابة، بل ظل يبحث عن منافذ أخرى للتعبير عن الإنسان ومفارقات الحياة.

أكول2-edited-cc0-300x252 الشاعر عبد العظيم أكول.. العلم والقصيدة في سيرة وطن

دواوين الشعر الغنائي

وفي مجال النشر، صدرت له دواوين شعرية من بينها «شراع الغربة»، الذي ظهر عام 1990، و«يا روعة»، الصادر عام 2006، و«الزمن الصعب»، إلى جانب «كلام الناس»، فضلاً عن دواوين أخرى ورد ذكرها في سيرته الذاتية. وتمثل هذه الأعمال محطات في مسار شاعر ظل يراكم تجربته بين الغناء والكتابة، ويمنح نصوصه فرصةً الاستقلال عن اللحن والصوت، لتُقرأ بوصفها شعراً قائماً بذاته.

أما كتابه «شعراء الغناء في السودان»، الصادر ضمن منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005، فيحتل موقعًا خاصاً في مشروعه الثقافي؛ فهو لا يكتفي بكتابة القصيدة، بل يتجه إلى توثيق الذاكرة التي أنجبتها، وإلى إنصاف الأسماء التي أسهمت في تشكيل تاريخ الأغنية السودانية. ففي هذا العمل تتبدى شخصية الباحث الذي يدرك أن الأغنية ليست صوتاً يمر ثم يتلاشى، وإنما نتاج تاريخ طويل من التجارب والأسماء والمدارس الفنية، وأن حفظ سير الشعراء وأعمالهم جزءٌ من حفظ ذاكرة الأمة نفسها.

وهنا يلتقي الشاعر بالصحفي والأكاديمي في نقطة جوهرية: الإيمان بأن التوثيق مسؤولية ثقافية، وأن ما لا يُكتب عن المبدعين قد يتوارى مع مرور الزمن، مهما بلغ أثرهم في الناس. ومن هذه الزاوية، تبدو أهمية كتابهُ أكبر من مجرد إضافة إلى المكتبة الأدبية؛ فهو محاولة للموازنة بين حضور الأغنية في الحياة اليومية وغياب بعض صانعيها عن الكتابة النقدية والتاريخية.

وقد ظل أكول حاضراً في الفعاليات الأدبية والثقافية داخل السودان وخارجه، وشارك في مهرجانات شعرية عربية، من بينها مهرجان المربد في العراق. وشارك كذلك في فعاليات أدبية بالبحرين، وحظي باحتفاء الجاليات السودانية في عدد من البلدان، بينها مصر والسعودية والإمارات وليبيا وقطر. وتذكر سيرته حصوله على وسام الفنون والآداب الذهبي عام 1982، كما شهدت القاهرة عام 2009 تكريماً له نظمته جمعية صاي في حي عابدين، بحضور شخصيات من الوسطين الصحفي والفني.

وفي أغسطس 2021، حظي بتكريم من رئيس مجلس السيادة، والدكتورة مريم الصادق المهدي، وزيرة الخارجية آنذاك، تقديراً لدوره الوطني وقصائده في حب السودان. ويكشف هذا التكريم عن وجه من وجوه تجربته لا يقل أهمية عن الغزل والحنين؛ فالوطن في شعره ليس شعاراً عابراً، بل إحساس يتجسد في الناس والأمكنة والذاكرة المشتركة. وقد أشار بعض تلاميذه ومحبيه إلى حضور قصائده الوطنية في وجدان السودانيين، وإلى تداول بعض نصوصه في سياقات التعبير الشعبي والثوري.

ومع كل هذا العطاء، ظل أكول يرى أن الإعلام لم يمنحه المساحة التي يستحقها، لا عن قصد بالضرورة، وإنما بسبب طبيعة العلاقات المهنية التي جعلت كثيراً من الصحفيين والشعراء يسلطون الضوء على أعمال الآخرين، فضلاً عن ميل الثقافة العامة إلى الاحتفاء بالمطرب أكثر من شاعر الأغنية. وهي ملاحظة تفتح باباً واسعاً للنقاش حول موقع مؤلف النص في منظومة الإنتاج الغنائي، وحول الفجوة بين شهرة الأغنية ومعرفة الجمهور باسم شاعرها.

فكم من قصيدة تحفظها الذاكرة الشعبية، بينما يظل اسم صاحبها غائباً عن التداول! وكم من شاعر أسهم في تشكيل الوجدان العام، لكنه لم ينل نصيبه من الدراسة والتوثيق والاحتفاء المؤسسي!
ولعل تجربة عبد العظيم أكول وغيره، تقدم مثالاً واضحاً على هذه المفارقة، إذ اجتمعت له شهرة عدد من الأغنيات، ومسيرة صحفية طويلة، وتجربة جامعية ممتدة، ومع ذلك ظل يطالب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بإنصاف الشاعر بوصفه شريكاً أصيلاً في صناعة الأغنية.

وفي حديثه عن العلاقة بين المعاناة والإبداع، قدّم أكول موقفاً يستحق التأمل؛ فهو يرفض الفكرة الشائعة التي تزعم أن المعاناة تصنع الإبداع، ويرى أن البيئة الصالحة والمهيأة هي التي تتيح للمبدع أن يزدهر، وأن الحروب والكوارث قد تترك آثاراً مدمرةً على الإنتاج الثقافي، بدل أن تكون بالضرورة منبعاً له. وهذا الرأي، المنطلق من تجربة شخصية وقراءة لواقع المبدعين السودانيين، يضع المسؤولية أمام المجتمع والدولة والمؤسسات الثقافية، لتوفير شروط الحياة الكريمة والإنتاج الحر، بدل الاكتفاء بتمجيد الألم بعد وقوعه.

WhatsApp-Image-2026-10-12-at-10.30.44-PM-1-300x282 الشاعر عبد العظيم أكول.. العلم والقصيدة في سيرة وطن

تحولات وتبدل أمكنة

لقد عاش أكول تحولات السودان السياسية والاجتماعية والثقافية، ورأى كيف تتبدل الأمكنة، وكيف تفرق الحروب بين الناس، وكيف يصبح الحنين إلى المدن الأولى شكلاً من أشكال مقاومة النسيان. وفي أم درمان وجد فضاءه الأرحب، وفي كوستي احتفظ بذاكرة البدايات، وفي كاكا بقيت جذوره الأولى متصلة بحكايات الأسرة والنهر والتنوع الإنساني. ومن هذه الجغرافيا المتعددة تشكلت شخصية لا تفصل الإبداع عن الحياة، ولا ترى الشعر ترفاً منفصلاً عن هموم الناس.

وإذا كان محمد يوسف موسى قد وصفه في مقدمته لديوان «الزمن الصعب» بأنه ابن وصديق وشاعر وصحفي وأكاديمي ناجح، فإن هذه الشهادة تضيء جانباً مهماً من شخصيته؛ جانب الوفاء الذي ظل حاضراً في علاقاته، والتواضع الذي لازم مسيرته، والقدرة على التعلم من الرواد من دون أن يفقد صوته الخاص. وهي شهادة لا تصدر عن ناقد يراقب التجربة من بعيد فحسب، بل عن شاعر عاش تفاصيل بداياتها، وشهد انتقالها من المحاولة الأولى إلى الحضور في الحياة الفنية والصحفية.

وفي المحصلة، لا تستمد تجربة عبد العظيم أكول قيمتها من تعدد وظائفه ومناصبه وحدها، بل من ذلك الخيط الذي يجمع بينها: الإيمان بالكلمة وقدرتها على التأثير. فهو شاعر جعل من الأغنية بيتًا للعاطفة والحنين، وصحفي جعل من الكتابة وسيلة للمعرفة والتوثيق، وأستاذ جامعي رأى في التعليم مسؤولية تجاه الأجيال التي تأتي بعده. وبين هذه المسارات، امتدت أكثر من أربعة عقود من العمل والعطاء، لم تكن خالية من الصعوبات، لكنها كشفت عن إرادة مبدع ظل وفيًا لما اختاره لنفسه من دروب.

أما قصائده، فستظل قادرة على استدعاء أصوات الذين غنوها، وملامح الذين أحبوها، وذكريات الأمكنة التي عبرتها. وستظل «يا روعة» شاهداً على رقة العاطفة حين تصير أغنية، و«الزمن الصعب» مرآةً لتحولات المجتمع حين يثقل الحنين على القلب، فيما يبقى كتاب «شعراء الغناء في السودان» شاهداً على أن الإبداع لا يكتمل بمجرد أن يُسمع، بل يحتاج أيضاً إلى من يصونه من النسيان.

إن عبد العظيم أكول ليس مجرد شاعر غنائي عرفته المنابر والأصوات، ولا مجرد صحفي مر على صفحات الجرائد، ولا أستاذاً جامعياً تخرج على يديه الطلاب؛ إنه نموذج للمثقف السوداني الذي جعل من تعدد المواهب وحدةً في الرسالة، ومن اختلاف ميادين العمل امتداداً لمعنى واحد: أن تكون الكلمة نافعة وجميلة وصادقة، وأن يظل الإبداع متصلاً بالناس، مهما اشتدت عواصف الزمن.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في ختام هذه السيرة أن أمثال عبد العظيم أكول لا يحتاجون إلى المديح بقدر ما يحتاجون إلى التوثيق المنصف، والدراسة النقدية الرصينة، وإعادة قراءة أعمالهم في سياق تطور الأغنية والصحافة والتعليم في السودان. فالأمم التي تحفظ ذاكرة مبدعيها لا تحفظ أسماءهم وحدها، وإنما تحفظ جزءاً من روحها، وتمنح الأجيال القادمة فرصة أن تعرف من أين جاءت الأغنية، وكيف تشكل الوجدان، ومن هم الذين أمضوا أعمارهم في خدمة الجمال والمعرفة.

ذلك هو عبد العظيم أكول؛ ابن كاكا التجارية، وفتى كوستي وأبو جبيهة، وابن أم درمان التي احتضنت انطلاقته، والشاعر الذي جعل للحنين صوتاً، وللوطن قصيدة، وللمعرفة طريقاً. سيرة تتعانق فيها القصيدة والصحافة والعلم، وتظل مفتوحة على ما يستحقه صاحبها من قراءة وإنصاف واحتفاء.

بشرى سليمان