
آبي أحمد ونوبل السلام.. قصة زعيم يبحث عن مخرج من مأزق سباعي
في 2019، وقف آبي أحمد على منصة نوبل للسلام. بعد 8 سنوات، يجد نفسه أمام تحالف سباعي مسلح، واقتصاد يترنح، وجار غاضب، في مشهد يبدو كأنه سيناريو مكتوب بعناية للسخرية من التاريخ.
في عام 2019، وقف آبي أحمد على منصة أوسلو ليتسلم جائزة نوبل للسلام، بعد أن أنهى عقدين من العداء مع إريتريا، ووعد الإثيوبيين بفجر جديد من الديمقراطية والازدهار.
كان الرجل يُبشر بـ”أفريقيا جديدة”، حيث يُصنع السلام ويُبنى الاقتصاد وتُحتضن التنوع، وبعد ثماني سنوات فقط، يجد نفسه محاصراً بين سبع جبهات مسلحة، واقتصاد يترنح، وجار كان بالأمس شريكاً في الحرب، واليوم متهم بتمويل من يريدون إسقاطه، قد يكون هذا مشهداً مأساوياً، لكنه أيضاً مادة خصبة للسخرية من تقلبات السياسة.
التحالف الذي لم يتوقعه أحد
في 20 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت سبع جماعات مسلحة، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو الأمهرية وجيش تحرير أورومو، تشكيل “تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء”، بهدف صريح: إسقاط حكومة آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية.
المفارقة التي تصلح لدراما تلفزيونية هي أن هذه الجماعات كانت تتقاتل في صفوف متعارضة قبل سنوات قليلة، فتيغراي وأمهرة كانا أعداء في الحرب الدموية بين 2020 و2022، واليوم يجلسون على طاولة واحدة، ويبدو أن العدو المشترك، في هذه الحالة آبي أحمد نفسه، هو أفضل صانع للصداقة.

اقتصاد يترنح
إذا كانت الجبهات العسكرية سبباً كافياً للقلق، فإن الاقتصاد الإثيوبي يقدم فصلًا آخر من المفارقات، فقد أنفق البنك المركزي الإثيوبي 2.2 مليار دولار لمحاولة إنقاذ العملة الوطنية، لكن “البِر” استمر في السقوط، ليصل الدولار إلى 180 بِر في السوق السوداء.
والحرب مع إيران، رغم أنها تحدث على بعد آلاف الكيلومترات، أضافت أعباءً جديدة على الاقتصاد الإثيوبي، حيث ارتفعت أسعار الوقود والأسمدة، وتراجعت تحويلات المغتربين، وبينما كان آبي أحمد يستعرض أرقام النمو التي يتحدث عنها فريقه، كان الإثيوبيون يشاهدون قيمة مدخراتهم تتبخر أمام أعينهم.
إريتريا: من حليف إلى “عدو”
في 2018، قبل جائزة نوبل، صافح آبي أحمد الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في مشهد احتفالي أنهى حالة الحرب، وبعد سنوات، تتهم حكومة آبي أحمد إريتريا بتمويل التحالف الجديد الذي يهدف إلى إسقاطها.
المفارقة أن إريتريا كانت أحد داعمي آبي أحمد في حربه ضد جبهة تحرير تيغراي عام 2020، قبل أن تنقلب العلاقة بين البلدين إلى خصومة متصاعدة، والخلاف الحقيقي، كما يقول النقاد، ليس ديمقراطية أو حقوق إنسان، بل منفذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر، الذي يريد آبي أحمد انتزاعه من إريتريا بأي ثمن، ففي عالم السياسة، يبدو أن المبادئ الجميلة تذوب بسرعة أمام المصالح الاستراتيجية.
الجيش بين سبع جبهات
على المستوى العسكري، يواجه الجيش الإثيوبي معضلة حقيقية: كيف يوزع قواته بين جبهات تيغراي وأمهرة وأوروميا وعفار، مع الحفاظ على خطوط الإمداد ومنع اتصال هذه الجبهات ببعضها، وقد تمكن متمردو تيغراي من السيطرة على ثلاثة مطارات في إقليم تيغراي، ما يعني أنهم لم يعودوا مجرد جماعة متمردة، بل قوة تسيطر على بنية تحتية حيوية.
ويقول محللون إن المعارضة لا تحتاج بالضرورة إلى دخول أديس أبابا، بل يكفي أن تُبقي الجبهات مشتعلة في الوقت نفسه، لترفع تكلفة الحرب وتُنهك الجيش. إنها استراتيجية الاستنزاف، التي تبدو أكثر فعالية من أي هجوم شامل.

كيف تسخر نوبل من نفسها
في عام 2019، منحت لجنة نوبل جائزة السلام لآبي أحمد على جهوده لإنهاء الصراع مع إريتريا، بعد عامين، اندلعت حرب تيغراي، التي خلفت مئات الآلاف من القتلى، وأدت إلى أزمة إنسانية هائلة.
وقد انتقدت صحف دولية هذه المفارقة، مشيرة إلى أن آبي أحمد قاد الحرب بعد أن استلم الجائزة، ربما كانت لجنة نوبل متسرعة في منح الجائزة، أو ربما كان آبي أحمد نفسه متسرعاً في استلامها، وفي كل الأحوال، يُذكر الإثيوبيون اليوم بهذه المفارقة كلما سمعوا اسم بلدهم مرتبطاً بجائزة السلام.
المخرج الوحيد؟
لا يزال آبي أحمد في السلطة، وقد فاز حزبه، حزب الازدهار، بأغلبية برلمانية في انتخابات يونيو/حزيران 2026، لكن هذه الأغلبية لا تعني شيئاً أمام سبع جبهات مسلحة واقتصاد منهار وجار غاضب.
وتظل الدبلوماسية الدولية تدعو إلى خفض التصعيد، لكن الاتحاد الأوروبي، الذي خصص 43 مليون يورو كمساعدات إنسانية، لا يملك نفوذاً كبيراً لتغيير المعادلة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يستطيع آبي أحمد أن ينجو من هذا المأزق؟ قد يقول البعض إن جائزة نوبل تحميه، لكن الجوائز لا تصد الرصاص، ولا توقف تحالفاً من سبع جبهات.
وفي النهاية، يبدو أن آبي أحمد سيتعين عليه أن يختار بين المزيد من الحرب، أو التسوية التي قد تُنهي مسيرته السياسية، وربما، فقط ربما، يعيد التفكير في خطاب أوسلو الذي ألقاه قبل سنوات، عندما كان العالم يصفق له، بينما كان هو منشغلاً في تجهيز الجبهات.
خاص- منصة أفريقيا


























