أهم العناوين

المؤرخة البلجيكية تريزا تكشف روح غنت الأفريقية

في مختبرات التاريخ الاجتماعي، حيث تتلاقى المناهج الأكاديمية مع الاهتمامات الإنسانية المباشرة، تبرز المؤرخة البلجيكية ثيرزا فاندينابيلي كداعية لقراءة مختلفة لتاريخ الهجرة.

وفي حديثها عن دوافعها المهنية وبحثها الميداني، لم تكتفِ ثيرزا بعرض نتائج بحثها، بل قدمت أيضًا رؤية فلسفية وسياسية لإعادة بناء العلاقة بين مدينة غنت وذاكرتها الأفريقية.

ودعت خلال حوارها مع “africaplatform” إلى التحول من خطاب “الذنب” الجامد إلى مفهوم “المنفعة الاستعمارية” الديناميكي الذي يمسّ هياكل الاقتصاد والتنمية الحضرية والحياة اليومية، وشددت على ضرورة توثيق شهادات الرواد قبل ضياعها، دون الخوض في مقترحات سياسية عملية، بل بالتركيز على الجوانب التوثيقية والتفكيكية.

الهجرة والتاريخ: شغفٌ بالمدن المختلطة والذكريات المنسية

ترى ثيرزا، الحاصلة على شهادة جامعية في التاريخ بتخصص تاريخ المدن والهجرة، أن هذين المجالين مترابطان ترابطًا وثيقًا، ويستند منظورها إلى تجربتها الثرية مع مشروع “الكيلومتر المربع” للمؤرخة تينا دي غيندت، وهو مشروعٌ للتراث والتاريخ العام استكشف تفاصيل أحياء الطبقة العاملة في غنت.

ومن خلال هذا المشروع، أدركت ثيرزا أن “التاريخ لا يُكتب في القصور، بل في تفاصيل البيوت والشوارع”، وأتاح لها العمل الميداني التواصل مع حياة أناسٍ مثل أونا وبابي، الذين يمثلون آلافًا ممن جلبوا ممتلكاتهم وذكرياتهم إلى هذه المدينة الباردة وجعلوها موطنهم الثاني.

وتؤكد أن شغفها ليس أكاديميًا فحسب، بل هو التزامٌ أخلاقيٌّ بكسر الروايات السائدة في التاريخ، وإدراكٌ بأن القصص العظيمة لا تكتمل إلا بقصص الأطفال المجهولين.

1715070441830 المؤرخة البلجيكية تريزا تكشف روح غنت الأفريقية

الكنائس الأفريقية والمصانع المهجورة

تكشف ثيرزا عن جانبٍ مُفاجئ وغير معروف إلى حدٍ كبير من المشهد الحضري لمدينة غنت: الأثر المباشر للجالية الأفريقية على المدينة، وقد سبق أن بحثت تينا دي غيندت وآخرون في هجرة العمالة التركية إلى غنت في ستينيات القرن الماضي، لكن ثيرزا تُؤكد أن الجاليات الأفريقية من السودان والكونغو ورواندا، التي وصلت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تركت أيضًا بصمةً لا تُمحى.

وتستشهد بمنطقتي بروغس بورت ودامبورت كمثالين بارزين، وهما منطقتان كانتا تعجّان بالمصانع والمستودعات المهجورة التي فقدت بريقها الصناعي.

هذه المباني الكئيبة، كما تصفها، أصبحت واحة روحية ومكانًا لاجتماع الكنائس الأفريقية، التي حوّلتها إلى فضاءات للصلاة والتجمعات الثقافية. وقد بثّت هذه النهضة روحًا جديدة في هذه الأحياء المُهمّشة اقتصاديًا.

ويُعدّ هذا التحوّل مثالًا بارزًا على كيف يمكن للهجرة أن تكون قوة دافعة للتجديد الحضري، لا مجرد عبء على الموارد، وكيف تُحيي مجتمعات المهاجرين المساحات المهملة وتحولها إلى مراكز نابضة بالحياة.

حوار-تريزا المؤرخة البلجيكية تريزا تكشف روح غنت الأفريقية

الاستعمار: من “الذنب” إلى “المنفعة”

وفي خطابها الأكثر جرأة، تهاجم ثيرزا الطريقة التقليدية التي تتحدث بها النخبة السياسية والثقافية البلجيكية عن الماضي الاستعماري، وتصرّ، كما كتب ديفيد فان ريبورك سابقًا، على استبدال مصطلح “الذنب الاستعماري” بمصطلح “المنفعة الاستعمارية”، موضحةً أن غنت، العاصمة التاريخية لصناعة النسيج البلجيكية، تدين بثروتها أيضًا لاستيراد القطن الخام من المستعمرات (ليس من الكونغو، بل من الولايات المتحدة الأمريكية بواسطة عبيد جُلبوا من أفريقيا).

ووفقًا لرأيها، فإن هذا يعني أن الازدهار الحالي لأحياء غنت هو استمرار لاستغلال الأمس، لذا، فإن المبادرات التي تصفها بأنها “رمزية”، مثل تسمية حديقة باسم الزعيم الراحل باتريس لومومبا، غير كافية ومخيبة للآمال، لأنها تُعطي شعورًا زائفًا بالرضا الأخلاقي دون معالجة الجروح الهيكلية العميقة.

وتؤكد ثيرزا أن “المصالحة” الحقيقية يجب أن تتجسد في تدابير سياسية ملموسة تُفكك التمييز الهيكلي، لا سيما في سوق الإسكان، حيث تواجه المجتمعات الأفريقية صعوبات إضافية في الحصول على سكن لائق، إما بسبب التحيز الضمني من جانب الملاك أو ممارسات الإقراض غير العادلة، ووفقًا لها، هذا هو جوهر العدالة الانتقالية التي تعمل عليها المدينة حاليًا.

غنت، بلجيكا – تقرير خاص