
مستشفى بريطاني موّلته تبرعات من تجارة الرقيق يثير النقاش
تكشف أبحاث تاريخية جديدة أن عدداً من كبار المتبرعين الذين موّلوا مستشفى “سانت بارثولوميو” في لندن، المعروف اختصاراً باسم “سانت بارتس”، كانت لهم صلات مالية مباشرة بتجارة الأفارقة المستعبدين عبر المحيط الأطلسي.
وتظهر أسماء هؤلاء المتبرعين على لوحات تذكارية مطلية باللون الذهبي داخل القاعة الكبرى في الجناح الشمالي للمستشفى، إلى جانب صور القديس بارثولوميو، الذي يحمل المستشفى اسمه، والملك هنري الثامن.
وكانت القاعة الكبرى، تاريخياً، مكاناً يناقش فيه حكام المستشفى التبرعات الخيرية ويعدّون وصاياهم. غير أن كثيراً من هؤلاء المانحين جمعوا ثرواتهم، أو جزءاً منها، عبر الاستثمار في شركات ارتبط نشاطها بالاتجار بالأفارقة المستعبدين.
صلات مالية بعشرات المتبرعين
ويضم “سجل تجار الرقيق البريطانيين”، الذي أعدته جامعات لانكستر ومانشستر وكلية لندن الجامعية، بيانات عن جميع المستثمرين المعروفين في بريطانيا ممن ارتبطوا بتجارة الأفارقة المستعبدين عبر الأطلسي بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر.
ويكشف السجل أن أثرياء استفادوا من نظام الاستعباد العنصري قدموا تبرعات إلى مئات الكنائس، وساهموا في تمويل مدارس ومستشفيات ومؤسسات خيرية في أنحاء بريطانيا.
وقال البروفيسور وليام بيتيغرو، الذي قاد المشروع البحثي، إن السجل أثبت وجود صلات بين تجارة الرقيق ونحو 900 مؤسسة. وأضاف أن معظم هذه المؤسسات كانت تسعى إلى تحسين حياة البريطانيين العاديين.

وبحسب السجل، هناك ما لا يقل عن 50 شخصاً تربطهم صلات مالية عميقة بمستشفى سانت بارتس، وكانوا مرتبطين بصورة مباشرة بتاريخ تجارة الرقيق.
رحلة سفينة هانيبال
من بين الأسماء المنقوشة على لوحات القاعة الكبرى اسم السير جيفري جيفريز، وهو تاجر من لندن ترك للمستشفى مبلغاً لم تحدده وصيته.
وفي عام 1694، رست سفينة “هانيبال”، التي موّلها جيفريز وقادها القبطان توماس فيليبس، في باربادوس، بعد رحلة مروعة لم ينجُ خلالها سوى 372 شخصاً من أصل 700 من الأفارقة الذين جرى أسرهم أو شراؤهم في ويدا، الواقعة في بنين حالياً.
ووصف فيليبس في مذكراته، وهي من السجلات القليلة الباقية عن الرحلة، عمليات التعذيب التي تعرض لها الأسرى على متن السفينة، بما في ذلك وسمهم بحديد ساخن يحمل الحرف الأول من اسم السفينة.
وكتب فيليبس أن الأفارقة الذين كانوا على متن السفينة كانوا يخشون الوصول إلى باربادوس “أكثر مما نخشى نحن الجحيم”.
كما تحدث عن استخدام أفارقة مستعبدين للإشراف على الأسرى، وعن جلد من يشتبه في تخطيطهم للتمرد. وتوفي كثير من الأشخاص على متن السفينة بسبب الجدري والزحار والجوع والانتحار، فيما أُلقي بعض الموتى أو المحتضرين في البحر للحد من انتشار الأمراض وحماية الأرباح.
وبلغت نسبة الوفيات في تلك الرحلة نحو 50 في المئة، ما جعلها واحدة من أكثر الرحلات دموية في تاريخ تجارة الرقيق عبر الأطلسي.
وكانت رحلة “هانيبال” واحدة من 13 رحلة ارتبط بها جيفريز مالياً. كما شغل منصب مدير في شركة أفريقيا الملكية بين عامي 1684 و1686، ثم بين عامي 1692 و1698. وخلال فترات ارتباطه بالشركة، نفذت الشركة 170 رحلة لنقل الأفارقة المستعبدين.
مستثمرون آخرون
يظهر في السجل أيضاً اسم إدوارد كولستون، الذي أُسقط تمثاله في مدينة بريستول خلال احتجاجات حركة “حياة السود مهمة” عام 2020.
كما اشترى وليام بريتشارد، الذي تولى رئاسة مستشفى سانت بارتس وكان من كبار تجار لندن، أسهماً في شركة أفريقيا الملكية بقيمة 600 جنيه إسترليني في يناير 1678.
أما السير روبرت غيفري، الذي ترك أموالاً للمستشفى ولمؤسسات خيرية أخرى في وصيته، فكان مستثمراً كبيراً في تجارة الرقيق. وفي الخامس من يناير 1692 وحده، باع أسهماً في شركة أفريقيا الملكية بقيمة 1600 جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو 350 ألف جنيه إسترليني حالياً.
ودعت النائبة البريطانية ديان أبوت إلى إزالة تمثال غيفري من متحف “المنزل” في حي هوكستون بلندن.

وتتداخل هذه الصلات أيضاً مع البنية السياسية لمدينة لندن، إذ تضم اللوحات التذكارية في القاعة الكبرى أسماء عدد من رؤساء بلدية المدينة.
فالسير وليام همفريز، الذي ترك أموالاً لثلاثة مستشفيات في لندن بينها سانت بارتس، كان عضواً في مجلس إدارة شركة أفريقيا الملكية بين عامي 1683 و1685، ثم بين عامي 1688 و1690. وفي عام 1711، شارك في جلسات تناولت عمليات الشركة على الساحل الغربي لأفريقيا، قبل أن يصبح رئيساً لبلدية لندن بثلاث سنوات.
أما سلفه صمويل ستانيير، الذي ترك بدوره أموالاً للمستشفى، فقد باع معظم أسهمه في الشركة، التي كانت تبلغ قيمتها 4000 جنيه إسترليني، في فبراير 1698، قبل أن يتولى منصب رئيس البلدية عام 1713.
اعتراف المستشفى بالماضي
بعد عودة الملكية البريطانية عام 1660، أصبحت تجارة الأفارقة المستعبدين أكثر تنظيماً وتحولت إلى مصدر مربح لتمويل كبار التجار.
وكان المصرفي الخاص السير روبرت فاينر، المعروف أيضاً باسم فاينر، من الشخصيات البارزة في مدينة لندن، وتولى رئاسة بلديتها بين عامي 1674 و1675.
بدأ فاينر الاستثمار في شركة المغامرين الملكيين عام 1663، ثم زادت قيمة حصته خلال أشهر إلى 800 جنيه إسترليني. وفي عام 1665، اشترى أسهماً إضافية بقيمة 1200 جنيه إسترليني، وانتُخب عضواً في مجلس إدارة الشركة.
وبعد ذلك، استثمر بصورة كبيرة في شركة أفريقيا الملكية، خليفة شركة المغامرين، إذ ساهم فيها بمبلغ 5000 جنيه إسترليني، يعادل نحو 1.18 مليون جنيه إسترليني اليوم. وخلال فترة ارتباطه بالشركتين، شاركتا في 81 رحلة لنقل الأفارقة المستعبدين. وبعد وفاته عام 1688، ترك جزءاً من ثروته لمستشفى سانت بارتس.
وكان المستشفى، على غرار مستشفى سانت توماس في جنوب لندن، يقدم الرعاية الطبية المجانية لفقراء المدينة ومرضاها، بفضل تبرعات التجار وعائدات الأراضي والعقارات التابعة له.

وقد اعترف المستشفى بصلاته التاريخية بالاستعباد. وأعدت محفوظات هيئة “بارتس هيلث” التابعة للخدمات الصحية الوطنية دليلاً بحثياً رسمياً عام 2024، يوضح التاريخ المعروف لهذه الصلات وسبل دراستها، رغم أن الهيئة لم تكلف بإعداد تقرير مستقل وشامل عن دور الاستعباد في تاريخ المؤسسة.
وقال متحدث باسم الهيئة إن المستشفى “يدرك جيداً أن بعض الشخصيات البارزة المرتبطة به تاريخياً استفادت من تجارة الرقيق عبر الأطلسي”، موضحاً أن أسماءها ظهرت في القاعة الكبرى تقديراً لتبرعاتها.
وأضاف: “مع ظهور معلومات جديدة، نناقش مع مؤسسة بارتس الخيرية وبارتس هيريتج، التي تدير المبنى المصنف تراثياً، أفضل طريقة للاعتراف بالقصة الكاملة لهذه الصلات التاريخية”.
من جهتها، قالت مؤسسة بارتس الخيرية إن الأبحاث السابقة لم تحدد ما إذا كانت بعض التبرعات، أو إلى أي مدى، قد تحولت إلى أصول تديرها المؤسسة حالياً. وأضافت أنها تراجع النتائج الجديدة مع هيئة بارتس هيلث وبارتس هيريتج، وتبحث الخطوات المناسبة التي يمكن اتخاذها.
وتأتي هذه النتائج في وقت تواصل فيه مؤسسات بريطانية مراجعة مصادر ثرواتها وتبرعاتها التاريخية. ففي عام 2023، نشر “صندوق سكوت”، المالك الوحيد لصحيفة الغارديان، بحثاً أظهر أن مؤسس صحيفة “مانشستر غارديان” وبعض داعميه استفادوا من استعباد الأفارقة في جامايكا والولايات المتحدة.
وعلى إثر ذلك، أطلق الصندوق سلسلتي “رأس المال القطني” و”إرث الاستعباد”، ضمن برنامج للعدالة التصحيحية يمتد عشر سنوات.
المصدر: الغارديان

























إرسال التعليق