
هلاوي يفتح ملف الثقافة السودانية: «أزمة البلاد.. أزمة ثقافة لا أكثر» (3)
لا تنحصر آثار الحرب في السودان في الخراب المادي أو النزوح وفقدان الأمن؛ إذ تضع الأحداث أيضًا سؤال الثقافة في قلب النقاش حول مستقبل المجتمع. فكيف يمكن لبلد أن يحافظ على ذاكرته الفنية، ويصون لغته الإبداعية، ويمنح الأجيال الجديدة صلة بإرثها، بينما تتعرض المؤسسات الثقافية للتراجع وتتشتت حياة الفنانين؟
في الحلقة الثالثة من سلسلة لقاءات عبد الوهاب هلاوي مع «منصة أفريقيا»، يوجه الشاعر نقدًا حادًا إلى واقع الثقافة السودانية، ويربط جانبًا من الأزمة الوطنية بضعف المؤسسات وتراجع التخطيط الثقافي، وبما يراه من خلل في خيارات بعض الفنانين وفي المساحة التي تمنحها وسائل الإعلام للأعمال الفنية. ويختصر موقفه في عبارة: «أزمة البلاد.. أزمة ثقافة لا أكثر»، وهي عبارة تكشف قناعته بأن الثقافة ليست زينة تضاف إلى حياة المجتمع، بل عنصر أساسي في تشكيل وعيه.

الثقافة ليست ترفًا
يرى هلاوي أن المؤسسات الثقافية تقع في قلب الأزمة، وأن غياب الرؤية الطويلة المدى أسهم في إضعاف الصلة بين الإنتاج الفني والجمهور. وفي هذا التصور، لا تقتصر وظيفة المؤسسة على تنظيم فعالية أو إقامة مهرجان؛ بل تشمل توثيق الأعمال، ورعاية المواهب، وتوفير فرص عادلة للمبدعين، وإتاحة الإنتاج الثقافي للجمهور عبر قنوات مستمرة.
وعندما تتراجع هذه الوظائف، تصبح الحياة الفنية أكثر هشاشة، ويصعب على الأعمال الجيدة أن تجد طريقها إلى الناس. كما يفقد المجتمع جزءًا من قدرته على نقل تجاربه من جيل إلى آخر، ويصبح التراكم الثقافي معتمدًا على جهود أفراد متفرقين بدلًا من منظومة تحميه وتطوره.
ويذهب هلاوي إلى أبعد من ذلك حين يربط الاهتمام بالثقافة بإمكان تجنب جوانب من الجهل والفقر والمرض، وربما الحرب. ويمكن فهم هذا القول بوصفه تأكيدًا على الدور الوقائي للتعليم والثقافة في بناء الوعي والتعايش، لا بوصفه ادعاءً بأن الفنون وحدها قادرة على منع كل أزمة سياسية أو اقتصادية.

الفراغ الذي يتركه غياب التخطيط
يصف الشاعر ما أصاب الفنون بأنه عاصفة متعمدة تركت فراغًا، ويرى أن الأعمال النظيفة والجادة ينبغي أن تحظى بمساحة أوسع. ويكشف هذا النقد قلقًا من أن تصبح شهرة العمل مرتبطة بقدرته على إثارة الانتباه السريع، لا بقيمته الفنية أو بقدرته على البقاء.
لكن السؤال المؤسسي الأهم هو كيف يمكن تحويل هذا القلق إلى سياسة ثقافية عملية. فالمطلوب ليس فرض ذوق واحد أو منع أنماط فنية بعينها، بل بناء بيئة تتعدد فيها الخيارات، وتُتاح فيها الأعمال للجمهور، ويستطيع النقد أن يناقش جودتها بحرية، ويكون للمبدع مجال للتجريب والتطور.
وتشمل هذه البيئة أرشفة التسجيلات القديمة، وحماية حقوق أصحاب الأعمال، وتوفير منصات لعرض الإنتاج المحلي، وتوثيق السير الفنية، وربط المدارس والجامعات والمكتبات بالحياة الثقافية. فحين يغيب هذا كله، لا تكون المشكلة في العمل الفني وحده، بل في النظام الذي يحدد كيف يُنتج وكيف يصل إلى الناس وكيف يُحفظ.

مسؤولية الفنان والإعلام
لا يعفي هلاوي الفنانين من المسؤولية. فهو ينتقد ما يراه سلبية لدى بعض المغنين، وضعفًا في اختيارات الكلمات، ويشير إلى أن بعض المظاهر التي تصدرت المشهد أضرت بالصورة الثقافية للسودان. كما يستخدم تعبيرًا قاسيًا في نقد ظاهرة «القونات»، معتبرًا أنها ساهمت في إفساد الحياة الثقافية.
وتظل هذه الأحكام جزءًا من موقف الشاعر النقدي، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها حقيقة موضوعية متفقًا عليها. لكنها تكشف عن خلاف أوسع بشأن معايير النجاح الفني، ودور السوق والإعلام في تشكيل الذائقة، ومسؤولية الفنان تجاه الجمهور.
فالفن لا يعيش خارج المجتمع، ولا يمكن عزله تمامًا عن الاقتصاد والمنصات التي تروّج له. ومع ذلك، فإن النقاش حول الجودة يحتاج إلى معايير نقدية واضحة، لا إلى الاكتفاء بالتجريح أو إقصاء الأنماط التي تختلف مع الذائقة الشخصية. والتحدي هو خلق مساحة تتسع للتنوع، من دون أن تتخلى عن حق الجمهور في النقد والمقارنة واختيار ما يراه جديرًا بالاستماع.

الشعراء وغياب الاعتراف
يشعر هلاوي بأن الشعراء يتعرضون للظلم من بعض المطربين والإعلام والمنصات، وأن معاناتهم المادية والاجتماعية تصبح في أحيان كثيرة جزءًا من مسارهم الإبداعي بدلًا من أن تكون مشكلة يجري التعامل معها. ويشير كذلك إلى أنه لا يعرف، في حدود تجربته الشخصية، شعراء تلقوا «هدايا السلطان» التي يتحدث عنها البعض، متسائلًا عن مدى معرفة قادة المليشيات بالشعر والشعراء.
وتبرز هذه التصريحات أهمية التمييز بين الشهادة الشخصية والحكم العام. فهلاوي يتحدث من موقع تجربته وعلاقاته في الوسط الفني، وهي شهادة تستحق أن تُسمع، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات موقف جميع الشعراء أو المؤسسات. وفي الوقت نفسه، يسلط كلامه الضوء على أسئلة عملية: هل يحصل أصحاب الكلمات على حقوقهم؟ وهل توجد سجلات موثقة للأعمال؟ وهل تتاح للفنانين فرص عادلة للنشر والعرض والتكريم؟
إن حماية الإبداع تقتضي ألا يظل الاعتراف بالشاعر مرتبطًا بذاكرة المطرب أو مزاج المنصة الإعلامية. فالحقوق والتوثيق والشفافية عوامل أساسية في بناء قطاع ثقافي يستطيع الاستمرار.
الذائقة بين الحزن والأمل
يرى هلاوي أن الذائقة تحتاج إلى إعادة تشكيل بعد ما مر به السودان من حزن وحرمان. ويشير إلى وجود أسماء تستحق الاحتفاء، رغم الظروف الصعبة. وهذا الجانب من حديثه يفتح نافذة تتجاوز التشخيص السلبي إلى سؤال الفرص: كيف يمكن للبلاد أن تستعيد حيويتها الفنية، وأن تمنح المبدعين الجدد فرصة الظهور، وأن تعيد اكتشاف الأعمال التي غابت عن الجمهور؟
الإجابة لا تبدأ من إعلان أن الماضي كان أفضل أو أن الحاضر فقد كل قيمته؛ بل من جمع الأعمال وتوثيقها، ودعم النقاش النقدي، وتوسيع فرص المشاركة الثقافية في مختلف المناطق، وإتاحة المجال للأجيال الجديدة كي تتفاعل مع تراثها بدلًا من تلقيه بوصفه مادة جامدة.
من الشكوى إلى مشروع ثقافي
إن نقد هلاوي يكتسب قيمته حين يُقرأ بوصفه دعوة إلى مواجهة أزمة أوسع من خلاف حول أغنية أو فنان. فالثقافة تحتاج إلى سياسات واضحة، ومؤسسات مستقرة، وأرشيف يمكن الرجوع إليه، ودعم لا يخضع للاعتبارات الشخصية وحدها.
وقد لا تكون الثقافة تفسيرًا وحيدًا لكل ما أصاب السودان، لكن تهميشها يجعل التعافي أصعب؛ لأن المجتمع يحتاج إلى ذاكرته كي يفهم ما حدث، وإلى فنه كي يعبر عن ألمه، وإلى فضاء عام يسمح بتعدد الأصوات. ومن هنا، فإن عبارة هلاوي «أزمة البلاد.. أزمة ثقافة لا أكثر» تُقرأ باعتبارها صيحة تحذير من تجاهل هذا الجانب، ودعوة إلى إعادة الثقافة إلى موقعها في مشروع إعادة بناء المجتمع.
خاص – منصة أفريقيا



























إرسال التعليق