
نسْرين مالك تكتب للغارديان عن وظيفة الصحافة السوداء
ناقشت الكاتبة نسْرين مالك، في مقال نشرته صحيفة “الغارديان”، وظيفة الصحافة السوداء ودورها في توفير مساحة مستقلة للسرد، في ظل مناخ سياسي يتسم بتصاعد اليمين المتطرف واستمرار ما يعرف بـ”حروب الثقافة”.
وجاء المقال في صورة مختصرة من محاضرة ألقتها مالك في ذكرى الصحفية والناشطة كلوديا جونز، واستندت فيه إلى تجربتها الصحفية وإلى عملها في نشرة “الموجة الطويلة” التابعة لـ”الغارديان”.
وقالت مالك إن السنوات الأخيرة شهدت صعود حركة “حياة السود مهمة”، لكنها تزامنت أيضاً مع آثار السياسات النيوليبرالية وتصاعد الخطاب اليميني وتراجع الوعود بالتغيير. وأضافت أن الصحافة المعنية بقضايا السود واجهت في بريطانيا سياسات حكومية وإعلامية معادية، من بينها تقليص الخدمات العامة وممارسات أمنية استهدفت المسلمين والسود بصورة مؤسسية.
وأشارت إلى أن هذه السياسات رافقها إنكار رسمي لوجود عنصرية مؤسسية، في وقت كانت فيه تجارب السود اليومية تكشف واقعاً مختلفاً. وقالت إن كثيراً من القصص التي تناولها الصحفيون أظهرت الآثار القاسية لهذه السياسات على الأفراد والأسر والمجتمعات.

وترى مالك أن الوضع ازداد تعقيداً بعد عام 2020، حين انتشرت روايات إعلامية وسياسية مضللة حول حركة “حياة السود مهمة”. وذكرت أن بعض وسائل الإعلام اليمينية كانت تطرح ادعاءات، ثم يتبناها سياسيون محافظون، قبل أن تتحول إلى نقاشات واسعة في الإذاعة ووسائل التواصل الاجتماعي.
وضربت مثالاً على ذلك بتقليص بث الحفل الختامي لمهرجان “برومز” بسبب الاحتياطات المرتبطة بفيروس كورونا، إذ زعمت وسائل إعلام يمينية أن السبب هو ضغوط حركة “حياة السود مهمة” لإلغاء أغنية “أرض الأمل والمجد”. وانضم رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بوريس جونسون إلى الانتقادات.
وبحسب مالك، وجد الصحفيون السود أنفسهم أمام معركة مستمرة لتصحيح التغطيات الإعلامية والرد على الروايات اليمينية والخطاب السائد بشأن العرق. وأصبحت أي محاولة للاعتراض أو الشكوى تُقابل أحياناً باتهام أصحابها بالمبالغة أو التعلق بدور الضحية.
وانتقدت الكاتبة أيضاً بعض التقدميين الذين أعلنوا تضامنهم مع السود من خلال نشر المربعات السوداء أو المشاركة في حركة الركوع الرمزية، ثم تراجعوا عندما أصبحت مواجهة العنصرية مكلفة سياسياً. ورأت أن قضايا العنصرية قد لا تكون أولوية بالنسبة إلى بعض الناخبين، لكنها تظل شديدة الأهمية بالنسبة إلى السود الذين يعيشون آثارها مباشرة.
وتخلص مالك إلى أن الصحافة التي تتناول قضايا السود تحولت في كثير من الأحيان إلى جزء من معركة سياسية، بدلاً من أن تكون مساحة مستقلة للتغطية والتحليل. وأشارت إلى أن المشكلات التي جرى تجاهلها تشمل التفاوت في تعامل الشرطة، والتنميط العرقي، والفوارق الكبيرة في صحة الأمهات والبطالة والتعليم والدخل.
وفي عام 2024، أطلقت “الغارديان” نشرة “الموجة الطويلة”، التي تهتم بتجارب السود والشتات الأفريقي. وقالت مالك إن هذه التجربة أظهرت لها أن التجربة السوداء أكثر تنوعاً وخصوصية مما كانت تعتقد، بسبب اختلاف التاريخ واللغة والثقافة والظروف السياسية بين المجتمعات المنتشرة في قارات عدة.

وتعرض مالك الشتات لا بوصفه جماعات تفرقت عن وطن واحد فحسب، بل باعتباره وطناً انتقل مع أبنائه وظل حاضراً في هوياتهم وطرق عيشهم وذاكرتهم. ويمكن، وفق هذا التصور، أن تتعايش داخل الهوية الواحدة انتماءات متعددة، مثل الانتماء السوداني أو الأفريقي أو الأفريقي العام أو الإسلامي.
ويربط المقال هذا الطرح بإرث كلوديا جونز، التي استخدمت صحافتها في جريدة “ويست إنديان غازيت” لمناهضة العنصرية في بريطانيا، وشجعت الحوار بين أبناء منطقة الكاريبي وحركات التحرر العالمية. كما ساهمت في تأسيس المبادرة التي سبقت مهرجان نوتينغ هيل، وأسهمت في ترسيخ ثقافة سوداء تؤكد قدرتها على الاستمرار بشروطها الخاصة.
وترى مالك أن الصحافة السوداء لا ينبغي أن تظل أسيرة ردود الفعل على ما تكتبه الأغلبية البيضاء أو ما تفرضه وسائل الإعلام اليمينية. فهناك تاريخ وأدب وموسيقى ونضال سياسي واحتفالات ومجتمعات وتجارب واسعة يمكن للصحافة أن توثقها من داخلها، لا بوصفها ملحقاً بالتجربة الغربية البيضاء.
وتخلص الكاتبة إلى أن وظيفة الصحافة السوداء هي تمكين السود من الوجود والتعبير عن أنفسهم وفق شروطهم، وتقديم قصصهم باعتبارها تجارب كاملة ومتنوعة، لا باعتبارها موضوعاً مرتبطاً بالعنصرية وحدها. كما تتيح هذه الصحافة لأبناء الشتات إعادة التواصل مع تاريخهم ولغاتهم وثقافاتهم ومجتمعاتهم.
المصدر: صحيفة الغارديان


























