أهم العناوين

الشاعر بشرى سليمان: هكذا صنع “البرلوم” جريدة ثقافية في جامعة الخرطوم؟ (1-3)

تمثل طفولة الشاعر بشرى سليمان في أقصى الشمال النوبي، وتحديداً في حلفا، نقطة الانطلاق لفهم مسيرته الأدبية والفنية لاحقاً. وتشكل اللغة النوبية، التي كانت لغته الأم حتى سن السادسة، التحدي الأول الذي واجهه في الكتابة بالعربية، وهو تحدٍّ يصفه بأنه “إشكالية كبيرة” رافقته طوال حياته الإبداعية.

وتناولت الحلقة الأولى من حوار “منصة أفريقيا” مع الشاعر المخضرم بشرى سليمان، محطات التكوين الأولى في حياته، من الطفولة في حلفا إلى الجامعة في الخرطوم، وصولاً إلى أولى قصائده التي وصلت إلى الإذاعة السودانية، وسلط الحوار الضوء على التحولات الثقافية واللغوية التي شكّلت وعيه الأدبي.

وطرحت الحلقة تساؤلات محورية: كيف تشكّل وعي الشاعر في بيئة نوبية تتحدث لغة مختلفة عن لغة الكتابة؟ وما الظروف التي دفعته إلى إصدار أول جريدة ثقافية في جامعة الخرطوم؟ وكيف وُلدت قصيدة “عز التوب” التي فازت في مهرجان الثقافة الأول عام 1975؟

WhatsApp-Image-2026-09-22-at-3.18.58-PM-edited-214x300 الشاعر بشرى سليمان: هكذا صنع "البرلوم" جريدة ثقافية في جامعة الخرطوم؟ (1-3)

النشأة وتحديات اللغة والهوية

انطلق سليمان في حياته من حلفا، حيث عاش طفولة كاملة باللغة النوبية، ولم يتعلم العربية إلا بعد وصوله إلى “مدني” طفلاً برفقة والدته وأخواته الصغار، بعد أن قرر والده الموظف الحكومي الاستقرار هناك.

ويتذكر أن أهل الشمال النوبيين كانوا يلبسون “الجرجار”، وهو ثوب فضفاض خفيف يشبه العباية، وله ذيل طويل يجر على الأرض، بينما لم ير “التوب” أو يعرفه إلا في مدني.

ويكشف الشاعر عن أن اللغة العربية كانت بالنسبة له “لغة تانية”، إذ لم يكن لديه أي علاقة بها قبل سن السادسة، وتعلم مبادئها في “المدرسة الصغرى” في قريتهم ابكه.

ويشير إلى أن بعض المدارس الابتدائية فى الشمال كانت تجبر التلاميذ على الحديث بالعربية داخل أسوار المدرسة، وتمنعهم من التحدث بالنوبية تحت تهديد الجلد، وهو ما يعكس سياسات ثقافية سعت إلى طمس التنوع اللغوي الثقافى.

ويرى بشرى سليمان أن التنوع الثقافي مهم جداً في خلق كيان موحد، وأن محاولات طمس الثقافة النوبية، بما في ذلك بيع حلفا، لم تنجح لأنها حضارة و”تاريخ”.

ويشير إلى أن أغلب النوبيين الذين كتبوا الشعر وغنوا بالعربية، مثل خليل فرح ومحمد وردي ومرسي صالح سراج وغيرهم، قدّموا أجمل الأعمال، ما يؤكد قدرة النوبيين على الإبداع بلغة مختلفة عن لغتهم الأم.

image_20260922_142959-edited-edited-300x200 الشاعر بشرى سليمان: هكذا صنع "البرلوم" جريدة ثقافية في جامعة الخرطوم؟ (1-3)

“برلوم” يصنع جريدته

وفي عام 1972، جاء سليمان إلى الخرطوم للالتحاق بجامعة الخرطوم، حيث كان الطلاب الجدد يُسمون “برالمة”، ويعيشون حالة من الخوف والتردد والانطوائية.

غير أنه وجد نفسه في وضع مختلف، إذ سبقت شهرته حجمه الحقيقي، فأصدر جريدة “مساحات وأبعاد” بحجم الصحف السياسية (8 صفحات أسبوعياً)، في وقت كانت كل الصحف الحائطية سياسية، تابعة للشيوعيين والإخوان والبعثيين وتجمع الجنوبيين.

ويتذكر الشاعر موقفاً طريفاً حين جلست إليه إحدى الطالبات فى السنة الثالثة، وعرفت بشهرته فى جمعية تطوير الريف حيث كان يقوم بتخطيط صحيفتها، ظنّاً منها أنه طالب قديم خبير، فسألته عن سنته الدراسية، فأجاب بأنه في السنة الأولى اقتصاد (برلم)، فقامت من جنبه وطردته ضاحكة، ويكشف أن بعض الفتيات في تلك الفترة كنّ يبحثن عن علاقات مع الخريجين او طلاب السنة النهائية لضمان فرص مستقبلية فى الزواج.

ويفتح الشاعر ملف علاقته بالراحل قريبه/ سليمان عبد الجليل، كاتب ثلاثية “الرحيل”، الذي فتح له مجال الكتابة في جريدة الصحافة، ونشر مقالاته رغم كونه “برلوماً” وطالباً جديداً، ويروي أن أغلب الناس كانوا مستغربين من ظهوره القوي في الساحة الجامعية رغم حداثة عهده بالجامعة.

image_20260922_142706-295x300 الشاعر بشرى سليمان: هكذا صنع "البرلوم" جريدة ثقافية في جامعة الخرطوم؟ (1-3)

“عز التوب”.. من حلفا إلى مهرجان الثقافة

ويعود سليمان إلى قصة كتابة “عز التوب”، التي كتبها وهو قادم من أقصى الشمال، بعد أن لاحظ اختلاف “التوب” عن “الجرجار” النوبي، ويوضح أنه كتبها اثناء دراسته بالثانوى، لتكون أول قصيدة له تظهر في الإذاعة والتلفزيون.

في عام 1975، شارك في مهرجان الثقافة الأول، حيث فازت قصيدته “عز التوب” ضمن الأغنيات الفائزة، وصدرت في كتيب متاح لكل الفنانين والموسيقيين، واختار الدكتور عبد الماجد خليفة النص، ولحّنه، وقدّمه بصوت إبراهيم موسى أبا في المهرجان.

ويشير الشاعر إلى أنه لم يحصل من المهرجان على أي شهادة تقدير أو مال، لكن الإذاعة سجّلت الأغنية ومنحته 20 جنيهاً في ذلك الوقت، ويعتبر أن مشاركته في المهرجان كانت “فرصة” لظهوره على الساحة الفنية، رغم عدم حصوله على أي مقابل.

القراءات الأدبية

ويؤكد بشرى سليمان أنه لم يتأثر بشخصية معينة، بل كان حريصاً على أن تكون كتاباته مختلفة عن السائد، ويشير إلى أنه قرأ لكل الشعراء، من شعر الجاهلية إلى شعر المهجر والشام، وصولاً إلى أحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ونزار قباني ونازك الملائكة وشعراء الحداثة وكون مكتبة كبيرة من ماله الشخصى.

ويصف علاقته بشعراء الأغنية السودانية المشهورين في تلك الفترة، مثل عزمي أحمد خليل وعبد الوهاب هلاوي وعبد الرحمن مكاوي وتاج السر عباس وسعد الدين إبراهيم ومحجوب شريف ومحمد نجيب والتجاني سعيد، مؤكداً أنه كان لديه علاقة قوية بهم لكنه لم يسعَ إلى السير في خطاهم.

وتمثل هذه الحلقة الأولى نافذة على مرحلة التكوين، حيث تتشابك قضايا اللغة والهوية مع الطموح الأدبي والصحفي. وبين “الجرجار” النوبي و”التوب” السوداني، وبين اللغة النوبية والعربية، رسم بشرى سليمان ملامح مسيرته الأولى، ليصبح واحداً من أبرز الأصوات في المشهد الثقافي السوداني.

خاص- منصة أفريقيا