
الفنان طارق أبو عبيدة: “أغاني وأغاني” جمّد الفن لسنوات (1-3)
خاص- منصة أفريقيا
في الحلقة الأولى من حواره مع “منصة أفريقيا”، يضع الفنان طارق أبو عبيدة يده على الجراح العميقة في المشهد الفني السوداني، من عقم برنامج “أغاني وأغاني” إلى ابتذال “النقطة” وخطر الذكاء الاصطناعي، مقدماً رؤية متكاملة لإنقاذ التراث من موجة الاستهلاك والتشويه.
يفتتح أبو عبيدة هذه الحلقة بالحديث عن عادة “الجلد” في الحفلات، أو ما يُعرف بـ “البطان” أو “ضرب السوط”، مؤكداً أنها عادة سودانية قديمة متجذرة في مناطق “الجعليين” بالشمالية وفي مديرية النيل تحديداً.
ويرى أن هذه العادة لم يطرأ عليها أي تشويه أو تغوّل، فهي لا تزال حتى اليوم تمثل حالة انفعالية تعتري أهل العريس أو العروس أو المجتمع المحيط بهم، كتعبير عن “الفراسة” والقوة.
ويشير إلى أن طقوسها تظل ثابتة بوجود “الدلوكة” و”الشتم” والفنان والكورس و”العرضة”، فهي ظاهرة خارج نطاق النقاش حول التغيير الفني لأنها مرتبطة بوجدان شعبي قديم.
من هنا، ينتقل أبو عبيدة للحديث عن تطور الفنان والحفاظ على هويته، معتبراً أن السؤال الجوهري هو مدى وعي الفنان وثقافته، ويضرب مثلاً بالفنان “طه سليمان”، واصفاً إياه بالفنان المجتهد جداً، لكنه يرى أن هناك خلطاً يقع فيه هو وغيره حول مفهوم “العالمية”، فالعالمية في تقديره لا تعني تقليد موسيقى “الراب” أو “الهيب هوب” أو “الجاز”، بل تعني “صناعة الموسيقى” بخصوصيتها السودانية.
ويؤكد أن الوصول للعالمية يتطلب منتجين وميزانيات ضخمة للترويج والوصول للمنصات العالمية بمعايير تقنية محددة، مع ضرورة التمسك بروح الموسيقى السودانية الأصيلة، سواء كانت من غرب السودان أو شرقه أو شماله، فالتجديد يجب أن ينبع من داخل الهوية لا من محاكاتها.

“القونات” وأغاني واغاني
في واحدة من أقسى انتقاداته، يوجه أبو عبيدة سهامه نحو برنامج “أغاني وأغاني”، معتبراً أنه ليس منصة لحفظ التراث كما يُشاع، بل هو برنامج تسبب في “عقم إبداعي” وتعطيل للحركة الفنية في السودان لسنوات طويلة.
ويرى أن البرنامج حصر التراث في عدد محدود من أغاني “الحقيبة” وأعاد تقديمها بشكل متكرر دون إضافة حقيقية، مما جعل الشباب يطمحون فقط للغناء في هذا البرنامج بدلاً من إنتاج أعمالهم الخاصة، ويقترح أن مثل هذه البرامج كان يجب أن تدار من قبل جهات أكاديمية مثل “معهد الموسيقى والمسرح” لتقديم معالجات موسيقية متطورة وأعمال جديدة، بدلاً من الاعتماد على “اجترار التاريخ” والبحث عن العائد الإعلاني فقط.
ويتطرق أبو عبيدة لواقع الفن السوداني في ظل الحرب الحالية وتشتت الفنانين في دول المهجر، ويقسم المشهد إلى جانبين: جانب الفنانين الذين يحاولون وصف المأساة ومعاناة النزوح والحنين للوطن عبر أعمالهم، وجانب آخر يصفه بـ “المؤسف”، حيث استمرت حفلات “الاسفاف والتافهة” في المهاجر (مثل القاهرة) بنفس النمط الذي كانت عليه في الخرطوم، رغم أن البلاد تحترق والناس يموتون.
وينتقد بشدة “فنانات الحفلات” أو من يُطلق عليهم “القونات”، معتبراً أن أعمالهن لا تحمل أي قيمة فنية، وأن صعودهن كان مرتبطاً بـ “أموال منهوبة” وفترة اتسمت بالفساد، متوقعاً انحسار هذه الموجة مع جفاف منابع تلك الأموال.

“جريمة القاهرة الكبرى”
وفي السياق ذاته، يتوسع أبو عبيدة في وصف المشهد في القاهرة، معتبراً أن ما يحدث هناك “جريمة كبرى” وانعدام إحساس، حيث يغني الفنانون بينما تخرج الجثث يومياً من البيوت السودانية في كل أقاليم السودان.
ويحلل الظاهرة بتقسيم المجتمع السوداني إلى طبقات منذ عهد البشير، حيث ظهرت طبقة ثرية طفيلية مستعدة للعيش برفاهية، وفنانون مستعدون لتلبية طلباتهم، بينما يرى أن أي شخص طبيعي كان سيرفض الغناء في هذا التوقيت المأساوي.
ويشير أبو عبيدة إلى أن الأغنية السودانية تتكون من ثلاثة أضلاع: المؤلف (الشاعر والملحن)، والمنفذون (الموسيقيون)، والمستمع، ولا تكتمل الأغنية دون الثلاثة، ويلفت إلى أن الضلع الثالث (المستمع) هو المساهم الأساسي في رفع شأن الأغنية أو تحطيمها، فالشعب السوداني في القاهرة هو من يدفع أثمان التذاكر ويشارك في الحفلات، وهو ما يعتبره أبو عبيدة “جريمة وانعدام وعي”.
ويضيف أن “التفاهة” انتقلت من السودان إلى القاهرة، وأصبحت القصة مجرد استعراض مادي (بوبار) يفتقر إلى أي قيمة فنية أو وطنية، ومع أن أبا عبيدة يعترف بحق الجمهور في الاختيار، إلا أنه يعبر عن أسفه العميق لهذا الواقع، مؤكداً أن الأغنية تكتمل بالمستمع، وإذا كان المستمع قابلاً بما يحدث، فليس أمام الفنان الحقيقي إلا الابتعاد والاشتغال بعمله الخاص.
أما عن الشعراء الجدد الذين يكتبون دون إتقان، فيرى أبو عبيدة أن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي لـ “انفراط عقد الدولة”، حيث انهار الاقتصاد، ولم توفر الدولة بيئة صالحة للمواطنين أو تسع لتأهيلهم، مما جعل الجميع يتجهون نحو “الربح السريع” الذي يتمثل في أن يصبح الشخص “قونة” أو سائق “ركشة” أو عازفاً أو شاعراً.
ويعتبر أبو عبيدة أن الناس معذورون في ذلك لأنهم يريدون العيش وإعالة أسرهم، لكنه يكرر أن ما يحدث هو “جريمة دولة” لأن الدولة هي التي لم توفر الأمان والبدائل، مما اضطر هؤلاء لإزعاج الجماهير بهذا الكم من الشعر الفارغ والألحان الرخوة.
وفي تباين واضح مع انتقاده لظاهرة القونات والمغارز، يشجع أبو عبيدة الشباب السوداني في أوروبا والغرب على غناء الراب والهيب هوب ومحاولة إيجاد رابط بينها وبين الغناء السوداني، معتبراً أن هذه تجارب مشروعة، ومستشهداً بتجربته الشخصية عام 2000 أو 2001 في فرانكفورت حين أدخل الراب في أغنية من أغاني الحقيبة، ويتمنى أن يغني هؤلاء الشباب الغناء السوداني الجميل بدلاً من التوجه نحو تيارات أخرى لا علاقة لها ببلدهم.

“النقطة والبوبار”
ويناقش أبو عبيدة ظاهرة “النقطة” (رمي الأموال على الفنانين)، موضحاً أن بعض القبائل السودانية تعتبرها عادة مقبولة، بينما يراها البعض الآخر عيباً وإهانة، ويربط بين انتشار هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة وبين محاولات “إفساد الذوق العام” برعاية من الدولة أو جهات معينة، ويرى أن “النقطة” أصبحت وسيلة لـ “البوبار” (التفاخر الكاذب بالثراء) وشراء الذمم الفنية، مما حوّل الفن من فعل إبداعي جمعي إلى مشهد مسرحي يركز على من يدفع أكثر، مما أدى إلى “إذلال” الأغنية السودانية وتحويلها لخدمة فئة محددة.
يختم أبو عبيدة حديثه بالجانب القانوني والتقني، مشيراً إلى أهمية تسجيل الملكية الفكرية للأعمال الموسيقية لحماية حقوق المبدعين، وحول دخول “الذكاء الاصطناعي” (AI) في الموسيقى، يرى أنه يمثل أزمة قادمة قد تؤدي إلى تزايد السرقات الفنية وتجاوز حقوق الشعراء والملحنين.
ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي، مهما تطور، سيظل عاجزاً عن محاكاة “الروح” والحس الطبيعي في الموسيقى السودانية، فإيقاعات كإيقاعات “الأنقسنا” مثلاً لها خصوصية في “ضرب الطبل” و”صفقة الأيدي” الخشنة المرتبطة بالأرض، والآلة الصماء ستقدمها دائماً بنعومة تفتقر للواقعية، مما قد يؤدي في النهاية إلى تشويه التراث بدلاً من تحديثه.
ويختتم حواره برسالة أمل وتحدٍّ، داعياً الفنانين السودانيين إلى النهوض من جديد، والتكاتف من أجل إعادة بناء الذائقة الفنية والهوية الموسيقية، مؤكداً أن السودان يمر بأصعب لحظاته التاريخية، لكنه سيظل يحمل في داخله كنزاً لا يضاهى من الجمال والإبداع، وأن الفن هو السلاح الأقوى لمواجهة كل أشكال التشويه والتسطيح والفساد.

























إرسال التعليق