أهم العناوين

الجالية السودانية في غنت.. من “العائلة” إلى التفكك في زمن المنصات الرقمية

في ركن هادئ من مدينة غنت الفلمنكية، حيث تختلط قنواتها التاريخية بروح العصر الحديث، تستعيد رانيا كبار، التي غادرت السودان نحو بلجيكا في طفولتها، ذاكرة البدايات التي رسمت ملامح الجالية السودانية هناك.

في حوارها مع “africaplatform” لم تقدم رانيا سرداً شخصياً فحسب، بل رسمت بانوراما اجتماعية لتطور الاندماج والهوية داخل أحد أبرز التجمعات الأفريقية في قلب أوروبا، مكشوفة عن تحول جذري في طبيعة التلاحم المجتمعي بين الأمس واليوم، مختتمة رؤيتها بطرح جريء لسياسات الاندماج التي ترى أنها قد تعيد الروح إلى المجتمع.

حوار-رانيا-كبار الجالية السودانية في غنت.. من "العائلة" إلى التفكك في زمن المنصات الرقمية

بداية ملؤها التضامن

تصف رانيا أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي بأنها “العصر الذهبي” للتماسك الاجتماعي بالنسبة للسودانيين في غنت. في تلك الفترة، كانت المدينة لا تزال بعيدة عن زحمة الهجرات الجماعية، حيث كان تعداد الوافدين من السودان لا يتجاوز عدد الأصابع. هذا العدد المحدود، وبحسب رانيا، لم يولد شعوراً بالعزلة، بل خلق نسيجاً عائلياً فريداً.

وتقول: “كنا حقاً كالأخوة، نلتقي يومياً، ونتشارك الهموم والأفراح، وكنا نبحث عن بعضنا البعض في الشوارع كما لو كنا في حي سوداني صغير”. في غياب وسائل التواصل الاجتماعي، كانت المقاهي المتواضعة والزيارات المنزلية هي المتنفس الوحيد، مما عمق الروابط الإنسانية وجعل كل فرد في المجتمع يشعر بالمسؤولية تجاه الآخر.

لكنها تستدرك مشيرة إلى مفارقة مؤلمة: اليوم، ورغم تزايد أعداد السودانيين بشكل ملحوظ في المدينة، تحول المشهد إلى عكس ذلك. “أصبحنا أكثر عدداً، لكننا أقل تواصلاً. كل مشغول به، والأفراد أصبحوا جزراً معزولة”. تعزو رانيا ذلك إلى ضغوط الحياة المعاصرة، وإلى تنوع الخلفيات الثقافية والاجتماعية للوافدين الجدد مما قلل من القواسم المشتركة، مشيرة إلى أن روح الجماعة التي كانت سائدة قد تآكلت لتحل محلها ثقافة الاستقلالية والانشغال بالذات.

محمد-كبار-غنت الجالية السودانية في غنت.. من "العائلة" إلى التفكك في زمن المنصات الرقمية

والدها.. “عمدة السودانيين” وقلب النبض

في مشهد يعيد إلى الأذهان حكايات الزعماء الشعبيين، يبرز الراحل الدكتور محمد كبار -والد رانيا- كأيقونة إنسانية في تاريخ الجالية. لم يكن والدها موظفاً رسمياً أو سياسياً، لكنه كان بحسب وصفها “الملجأ الأول والأخير”.

فور وصول أي مواطن سوداني جديد إلى غنت، سواء كان طالباً أو لاجئاً أو باحثاً عن عمل، كان الطريق يؤدي مباشرة إلى منزله. ترسم رانيا صورة حية لرجل عاشق للخير، كان يجيد اللغة الهولندية وقوانين الإقامة، فكان يترجم المعاملات، ويساعد في تعبئة الأوراق الرسمية، ويوجه العائلات الجديدة نحو المدارس والمساكن.

هذا الدور التطوعي الجسور جعله محوراً للثقة، وأكسبه لقب “العمدة”، وهو لقب لم يكن مجرد تكريم، بل اعترافاً بواقع ملموس؛ لقد كان عمود الخيمة الذي يستند إليه الجميع في رحلة التكيف مع المجتمع البلجيكي المتطلب.

WhatsApp-Image-2026-08-26-at-8.55.22-AM الجالية السودانية في غنت.. من "العائلة" إلى التفكك في زمن المنصات الرقمية

العنصرية في غنت: قراءة في تحولات الظاهرة

تفتح رانيا ملفاً حساساً بحذر ورصانة، مؤكدة أن تجربتها الشخصية مع العنصرية كانت مختلفة تماماً عما يحدث اليوم. لأنها نشأت في المدرسة البلجيكية منذ الصغر، واكتسبت اللغة بطلاقة، ولم تكن “الغريبة” في الفصل إلا نادراً، فقد شعرت بقبول مجتمعي أكثر.

لكنها تحذر من أن ذلك لا يعكس واقع الأجيال الحالية. وتضرب على وتر حساس حين تشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم فوائدها، كانت بمثابة سيف ذو حدين؛ إذ كشفت عن كم هائل من الخطابات الكراهية والمعادية للمهاجرين التي كانت محصورة سابقاً في الغرف المغلقة.

ورغم إشادتها بطابع غنت التضامني ودعم بلديتها لقضايا الاندماج، إلا أنها تشعر بأن الأجواء العالمية المتوترة، وصعود اليمين المتطرف في أوروبا، يلقيان بظلالهما على المدينة، مما يجعل الأجانب اليوم أكثر تعرضاً للمضايقات اللفظية والتنميط السلبي مقارنة بعهد طفولتها.

WhatsApp-Image-2026-08-26-at-8.55.22-AM-1 الجالية السودانية في غنت.. من "العائلة" إلى التفكك في زمن المنصات الرقمية

رؤية مستقبلية

وبرؤية تمتد للمستقبل، تطرح رانيا رؤيتها الشخصية المستلهمة من تجربة والدها الريادية ومن واقع التحديات التي تواجه الجالية اليوم، مؤكدة أن سياسات الاندماج بحاجة إلى مراجعة جذرية بعيداً عن البيروقراطية الجامدة.

ففي مقترحها الطموح، تطالب رانيا بمراجعة جذرية لسياسات الاندماج، تبدأ برفع الضغط المبالغ فيه على اللغة الهولندية كشرط وحيد للنجاح، والسماح للمهاجرين بالحفاظ على لغاتهم الأم كهوية ثقافية تعزز اعتزازهم بجذورهم، إلى جانب توجيه التمويل الحكومي لدعم منظمات المجتمع المدني التي تعرف احتياجات الناس عن كثب، بدلاً من فرض حلول بيروقراطية من أعلى.

إن رؤية رانيا، باختصار، تدعو إلى تحويل غنت إلى مختبر حقيقي للتعددية الثقافية، ليس بالخطب الوعظية، بل بالعدالة الاقتصادية والاعتراف بالجميل التاريخي لمن شيدوا حاضرها، مؤكدة أن نجاح الجالية لا يقاس بعدد أفرادها، بل بقدرتها على الحفاظ على تماسكها وهويتها في وجه متغيرات العصر.

بلجيكا – حوار خاص