أهم العناوين

تداعيات مقاطعة المعارضة للحوار الانتخابي بجنوب السودان

حتى 5 أكتوبر 2026، ما تثبته التقارير هو أن بعض قوى المعارضة غابت عن الحوار بين الأحزاب أو رفضت مساره، لا أن المعارضة مجتمعة أعلنت مقاطعة الاقتراع نفسه.

المقاطعة الحالية إشارة إلى أزمة ثقة وتمثيل؛ أما مقاطعة الانتخابات فستكون قرارًا انتخابيًا أوسع، ولم يظهر إعلان موحد بهذا الشأن.

لماذا تعثر الحوار؟

افتتح الرئيس سلفا كير الحوار في جوبا في 24 سبتمبر، بعد حل الحكومة الانتقالية. وقدّمته الرئاسة بوصفه منصة لبناء توافق حول مسار “انتخابات سلمية وذات مصداقية”، لكنها قالت أيضًا إن الحوار ليس مكانًا للتفاوض على الخلافات أو تغيير خارطة الانتخابات.

iom_youth_leaders_dialogue-300x225 تداعيات مقاطعة المعارضة للحوار الانتخابي بجنوب السودان
بعض لقاءات الشباب المشاركبن في الحوار السياسي

في المقابل، تقول قوى معارضة إن القرارات الأحادية، وتغيير ترتيبات تقاسم السلطة، والمحاكمة الجارية بحق رياك مشار—الذي يقود الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة—تضعف الثقة في شمول الحوار واستقلاليته . ووصف الحزب الشيوعي حوار جوبا بأنه خاضع للحكومة ونتائجه محددة سلفًا.

إذًا، الخلاف لا يتعلق بموعد الاقتراع وحده، بل أيضًا بمن يضع قواعده، وبما إذا كانت القوى التي يُفترض أن تتنافس تستطيع المشاركة والتنظيم والاعتراض على النتائج بأمان.

كما أن حل الحكومة الانتقالية وإبقاء القيادة التنفيذية في السلطة بصلاحياتها خلال الفترة الانتخابية غيّرا السياق الذي كان يستند إلى تقاسم السلطة بموجب اتفاق السلام لعام 2018.

ماذا قد تعني المقاطعة للانتخابات؟

أولًا، تضعف قبول النتائج حتى لو جرى التصويت. فالانتخابات لا تُقاس بنسبة الاقتراع أو إعلان الفائز فقط؛ فهي تحتاج إلى منافسة حقيقية وثقة بأن القواعد والمؤسسات محايدة.

إذا غابت قوى وازنة عن الحوار، ولم تُحل اعتراضاتها قبل الحملة، فقد ترفض النتائج أو تعتبرها امتدادًا لعملية سياسية مغلقة.

IMG_0234-300x200 تداعيات مقاطعة المعارضة للحوار الانتخابي بجنوب السودان
الحوار السياسي بجنوب السودان

وهذا قد يضعف قدرة الحكومة المنتخبة على اكتساب شرعية عملية، ويصعّب عليها التفاوض مع خصومها أو تنفيذ تسويات لاحقة.

لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان حذّرت من أن الانتخابات بلا حوار شامل وضمانات للمشاركة قد تعمّق الانقسامات بدل أن تحسمها سلميًا.

ثانيًا، قد ينقل الخلاف من السياسة إلى الأمن. في جنوب السودان، يرتبط جزء من المعارضة باتفاق سلام أنشأ ترتيبات لتقاسم السلطة، فيما تظل قوات موالية للحكومة وقوى مسلحة معارضة حاضرة في المشهد.

لذلك فإن إقصاء أطراف من منافسة سياسية موثوقة قد يزيد حوافز بعض الفاعلين للضغط خارج المؤسسات. هذه مخاطرة وليست نتيجة حتمية، ولا تعني أن كل من يقاطع الحوار سيلجأ إلى العنف.

لكن لجنة الأمم المتحدة ربطت بين تراجع المجال المدني والسياسي، واستمرار القتال في مناطق، وضعف ترتيبات تنفيذ اتفاق السلام، وبين ارتفاع خطر تجدد النزاع إذا تحولت الانتخابات إلى ساحة إقصاء.

كما ترى مجموعة الأزمات الدولية أن تركيز السلطة مع استمرار احتجاز مشار ومحاكمته قد يغذي استمرار التمرد، وأن اقتراعًا مُدارًا على عجل أو تأجيلًا جديدًا قد يحمل كل منهما مخاطر سياسية وأمنية مختلفة.

ثالثًا، الموعد الرسمي هو 22 ديسمبر 2026، لكن المفوضية الوطنية للانتخابات قالت في 2 سبتمبر إن تسجيل الناخبين لم يبدأ بعد، وإنها ما زالت في مرحلة إعداد الموظفين ومراكز التسجيل.

كما أشار الاتحاد الأفريقي إلى فجوات تمويلية وإدارية لدى هيئات الانتخابات، وإلى أن التوافق السياسي والأمن والانفتاح المدني وتسوية النزاعات الانتخابية شروط لازمة لانتخابات موثوقة.

لذلك، فالحوار المتعثر لا يضيف أزمة سياسية فحسب؛ بل يضيّق الوقت المتاح للتوافق على قواعد المنافسة، ويزيد احتمال أن يتقدم الجدول الرسمي على جاهزية المؤسسات أو قبول القوى السياسية.

رابعًا، يرفع كلفة الاعتراف والدعم الخارجي. الاتحاد الأفريقي لم يكتفِ بتأييد إجراء الانتخابات في موعدها؛ بل دعا أيضًا إلى حوار مباشر بحسن نية، ووقف الأعمال العدائية، واستكمال ترتيبات الأمن، ونشر خارطة طريق انتخابية واقعية ومتوافق عليها.

unesco_national_dialogue-300x157 تداعيات مقاطعة المعارضة للحوار الانتخابي بجنوب السودان
تعمل اليونسكو كأحد مسهلي الحوار في جنوب السودان

إذا مضت الانتخابات مع مقاطعة واسعة، فقد تتعرض الحكومة لضغط دبلوماسي أكبر لإعادة فتح العملية السياسية، وقد تتردد الجهات الداعمة في اعتبار الاقتراع كافيًا لإنهاء الانتقال. لا يثبت ذلك أن التمويل أو الاعتراف سيتوقفان تلقائيًا؛ لكنه يجعل الدعم مشروطًا بصورة أوضح بوجود مشاركة وضمانات ومصداقية.

ثلاثة مسارات محتملة

تسوية قبل الاقتراع: إعادة تصميم الحوار بحيث يسمح بمناقشة الشروط السياسية والأمنية، وإشراك القوى التي غابت والمجتمع المدني، مع اتفاق معلن على قواعد الحملة والطعون. هذا المسار قد يعزز قبول النتائج، لكنه يتطلب تنازلات ووقتًا قصيرًا.

اقتراع في الموعد بمشاركة محدودة: قد تتمكن السلطات من إجراء التصويت، لكن إذا لم تشارك قوى رئيسية أو لم تثق بالعملية، فستبقى أزمة الشرعية بعد إعلان النتائج. وفي بيئة أمنية متوترة، قد تتصاعد الاحتجاجات أو المواجهة بدل أن يُغلق الاقتراع باب الانتقال.

تأجيل جديد: قد يمنح الأطراف وقتًا للتوافق واستكمال التسجيل والاستعدادات، لكنه قد يُفهم أيضًا على أنه تمديد جديد للمرحلة الانتقالية إذا لم يقترن بجدول ملزم وخطوات قابلة للقياس. وتوضح تجربة التأجيلات السابقة أن تغيير الموعد وحده لا يبني الثقة.

تأثير المقاطعة

الأثر الأهم للمقاطعة ليس أنها تحسم مصير انتخابات ديسمبر، بل أنها تكشف أن التوافق على شروط التنافس لم يتشكل بعد. ويمكن أن تصبح المقاطعة أداة ضغط تدفع إلى حوار أكثر شمولًا، أو أن تتحول إلى علامة على أن العملية ستجري من دون منافسة مقبولة لدى خصوم مؤثرين.

un_youth_community_dialogue-300x200 تداعيات مقاطعة المعارضة للحوار الانتخابي بجنوب السودان
انتقال الحوار للمجتمعات خارج المدن

 

 

 

 

 

العامل الفاصل سيكون ما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع الاعتراضات بوصفها مسائل قابلة للتفاوض، مثل ضمانات المشاركة، والحيز السياسي، والطعون، والأمن، أم ستحصر الحوار في تثبيت الموعد فقط.

لذلك ينبغي مراقبة ثلاثة مؤشرات قبل الاقتراع: عودة القوى المعارضة إلى حوار ذي صلاحيات فعلية؛ بدء تسجيل الناخبين ونشر جدول واقعي وممول؛ واتفاق الأطراف والوسطاء الإقليميين على ضمانات أمنية ومؤسسية يمكن التحقق منها.

من دون تقدم ملموس في هذه الملفات، قد يتحول التصويت من خاتمة متوافق عليها للمرحلة الانتقالية إلى بداية نزاع جديد حول شرعية من يحكم.

المصدر: منصة أفريقيا