أهم العناوين

الفنان طارق أبو عبيدة: “القونات” و”المغارز” فقاعات زائلة تستخدم لإلهاء الشعب (3-3)

أعلن الفنان السوداني المخضرم طارق أبو عبيدة، في الحلقة الثالثة من حواره مع “منصة أفريقيا”، حرباً شعواء على ظواهر “التريند” و”المغارز” و”القونات”، متّهماً النظام السابق باستخدام الفن الهابط كأداة ممنهجة لإلهاء الشعب وتفريغ الساحة الثقافية.

ويصف أبو عبيدة، في بداية الحلقة، المشهد الفني السوداني الراهن بعبارات قاسية وحاسمة، معتبراً أن ظواهر مثل “أغاني التريند” و”المغارز” و”القونات” ليست سوى “استهلاك لحظي وتسطيح فني لا قيمة له”.

ويوضح أن هذه الأعمال تعتمد على مفردات بذيئة وألحان فقيرة ومكررة، هدفها الوحيد هو البحث عن شهرة زائفة، مؤكداً أنها “لا تصنع تاريخاً” وستظل مجرد فقاعات إعلامية صوتها عالٍ لكنها فارغة المضمون.

ولكن المفاجأة الأكبر في حديثه كانت عندما كشف عن الجذور السياسية لهذه الظواهر، متجاوزاً التفسير السطحي بأنها نتاج طبيعي للتطور الرقمي وحرية التعبير.

ويقول أبو عبيدة بصراحة: “هذه الظواهر هي نتاج طبيعي للمناخ السياسي؛ ففي عهد النظام السابق، وتحديداً بعد ظهور البترول، نشأت طبقة أثرية طفيلية احتاجت لمن يسليها، فتم فتح الأبواب لـ’المهرجين’ بينما حُورب الفنانون الحقيقيون ومُنعوا من الظهور في الإذاعة والتلفزيون”.

ويضيف أن استخدام “القونات” لم يكن مجرد موضة عابرة، بل كان “أداة لإلهاء الشعب عن قضايا الحكم وإصلاح حياته”، مشيراً إلى أن هذه السياسة كانت ممنهجة لإفساد الذوق العام وتفريغ المحتوى الفني من أي رسالة هادفة، لأن الفنان الحقيقي كان سيشكل خطراً على الواقع السياسي المتردي من خلال قدرته على توعية الجماهير.

oud_player_portrait-1-300x300 الفنان طارق أبو عبيدة: "القونات" و"المغارز" فقاعات زائلة تستخدم لإلهاء الشعب (3-3)

الطنبور آلة أيقونية

وفي واحدة من أكثر فقرات الحوار إيلاماً، ينتقل أبو عبيدة من نقد الأغاني الهابطة إلى الحديث عن آلة “الطنبور”، التي تعتبر أيقونة الهوية الموسيقية السودانية بامتياز، ليكشف أنها لم تسلم بدورها من هذا التشويه الممنهج.

ويؤكد أن الطنبور تعرّض لـ “تبسيط مخلّ لألحانه”، حيث جُرد من عمقه الروحي والمقامي ليُقدّم في قوالب استهلاكية رخوة لا تمت لروح السودان بصلة.

ويشرح أبو عبيدة فلسفته في هذا السياق بقوله إن “الطنبور ليس مجرد آلة، هو فلسفة وتاريخ وروح”، وأن اختزاله إلى إيقاعات رخوة وكلمات هابطة هو “تشويه للذاكرة” قبل أن يكون تشويهاً للفن.

ويضيف أن هذا هو أخطر ما حدث في المشهد الثقافي السوداني، لأن تشويه الرمز يعني تشويه الهوية الجمعية للأمة، وتفريغ الأجيال الجديدة من إحساسها بالانتماء إلى تراثها العميق.

في ختام هذه الحلقة النقدية الحادة، يوجه طارق أبو عبيدة نظره نحو المستقبل، مؤكداً أن كل هذه الظواهر التي تبدو اليوم طاغية على المشهد هي في النهاية “فقاعات ستزول”، ولن يبقى إلا الفن الحقيقي الذي يشبه الشعب السوداني وأخلاقه الجميلة.

ويقرّ بأن هذه الأصوات الهابطة قد تستمر لفترة، لكنها لن تصنع تاريخاً، لأن الجمهور السوداني، رغم كل ما مر به من حروب وتشظٍ، لا يزال يحمل في داخله ذائقة أصيلة تبحث عن الجمال.

ويوجه أبو عبيدة رسالة أخيرة للشباب والفنانين الجدد، يحثهم فيها على التمسك بهويتهم وعدم الانخداع بالشهرة الزائفة، مؤكداً أن الفن رسالة قبل أن يكون متعة، ويقول: “تعلموا، وادرسوا، وابحثوا عن الجمال الحقيقي في تراثكم، فالسودان يستحق منكم أفضل ما لديكم، ونحن نملك كنزاً موسيقياً ونغمياً لا يضاهى، علينا فقط أن نعيد صقله وتقديمه بصدق، بعيداً عن أي إملاءات سياسية أو إغراءات مادية”.

خاص- منصة أفريقيا