أهم العناوين

النحاس بالكونغو يتخطى الكوبالت في سباق المعادن الحرجة

تتجه جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تعزيز موقع النحاس في استراتيجيتها الخاصة بالمعادن الحرجة، بعدما أصبح المعدن يحظى بأهمية متزايدة في خطط التحول إلى الطاقة النظيفة، وشبكات الكهرباء، والسيارات الكهربائية، والبنية التحتية التكنولوجية. ولا يعني ذلك تراجع أهمية الكوبالت، الذي لا تزال الكونغو الديمقراطية أكبر منتج عالمي له، لكنه يعكس تحولا في أولويات المستثمرين والقوى الكبرى نحو النحاس بوصفه سلعة أكثر اتساعا في الاستخدام وأهمية في الاقتصاد الصناعي العالمي.

وتملك الكونغو الديمقراطية بعضا من أغنى مكامن النحاس في العالم، إذ تتجاوز نسبة تركيز الخام في بعض المناجم 2.5%، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي بأكثر من أربع مرات. كما تستضيف البلاد أربعة من أكبر خمسة مناجم للكوبالت عالميا، ما يجعل حزام التعدين في جنوب شرق البلاد، ولا سيما مناطق كاتانغا وكولويزي ولوبومباشي، محورا رئيسيا لسلاسل إمداد المعادن المستخدمة في البطاريات والتقنيات المتقدمة.

جذب الاستثمار

وتشير بيانات بحثية إلى أن الكونغو الديمقراطية جذبت في عام 2024 نحو 130.7 مليون دولار من استثمارات التنقيب عن المعادن، وهو أعلى رقم بين الدول الأفريقية خلال ذلك العام. ويعكس هذا التدفق اهتماما متزايدا بالموارد غير المستغلة في البلاد، لكنه يأتي في بيئة لا تزال تعاني من ضعف البنية التحتية، ومخاطر الفساد، وعدم الاستقرار الأمني، وغياب القدرة الكافية على معالجة المعادن محليا.
النحاس-في-جمهورية-الكونغو-الديمقراطية النحاس بالكونغو يتخطى الكوبالت في سباق المعادن الحرجة

وفي أحدث مؤشر على الأهمية المتنامية للنحاس، تستعد الولايات المتحدة لدعم مشروع تصل قيمته إلى مليار دولار لإعادة تأهيل وتشغيل الجزء الكونغولي من ممر لوبيتو للسكك الحديدية بموجب امتياز يمتد 30 عاما. ويمتد الخط لنحو ألف كيلومتر، ويربط مراكز التعدين في كولويزي وتينكي ولوبومباشي بميناء لوبيتو على ساحل المحيط الأطلسي عبر أنغولا، بما يتيح نقل النحاس والكوبالت إلى الأسواق العالمية بعيدا عن طرق التصدير الأكثر كلفة وتعقيدا.

ومن المتوقع أن توقع شركة البناء البرتغالية موتا أنجيل (Mota-Engil) اتفاق الامتياز لتولي تشغيل الجزء الكونغولي من الممر. وكانت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية قد وقعت في ديسمبر خطاب اهتمام بتمويل يصل إلى مليار دولار لدعم إعادة تأهيل خط السكك الحديدية وتشغيله. ويمنح المشروع واشنطن وسيلة عملية لتأمين وصول أكبر إلى المعادن الكونغولية وتقليل اعتماد سلاسل الإمداد الغربية على الصين.

ويأتي التحرك الأمريكي في وقت تسيطر فيه الشركات الصينية على حصة كبيرة من إنتاج النحاس والكوبالت في الكونغو الديمقراطية، فضلا عن امتلاكها أو مساهمتها في 15 من أكبر مناجم المعدنين في البلاد. وقد عززت بكين حضورها من خلال اتفاقات تجمع بين حقوق التعدين وتمويل البنية التحتية، من بينها اتفاق موقع عام 2007 التزمت بموجبه الشركات الصينية بتمويل مشاريع بنية تحتية بقيمة 3 مليارات دولار مقابل حقوق في مكامن معدنية قرب كولويزي.

وتكمن أهمية النحاس في أنه لا يستخدم فقط في البطاريات، بل يدخل على نطاق واسع في الكابلات والمحولات وشبكات نقل الكهرباء ومحطات الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية. ولذلك ينظر إليه المستثمرون باعتباره مكونا أساسيا لتوسيع البنية التحتية الكهربائية، في حين يتركز استخدام الكوبالت بدرجة أكبر في بعض أنواع البطاريات والمنتجات التكنولوجية.

تراجع الكوبالت

أما الكوبالت، فقد تعرض سوقه لضغوط نتيجة زيادة المعروض وتراجع الأسعار، الأمر الذي أثر في عائدات التعدين وإيرادات الحكومة الكونغولية. ودفعت هذه التطورات كينشاسا إلى تعليق صادرات الكوبالت لفترة مؤقتة في عام 2025، في محاولة للحد من فائض المعروض وتحسين قدرة الدولة على التأثير في السوق. كما زادت السلطات من إجراءات التتبع والرقابة على الإنتاج الحرفي، الذي يمثل أحد مصادر المخاوف المتعلقة بظروف العمل وحقوق الإنسان.
خريطة-الكونغو-الديمقراطية النحاس بالكونغو يتخطى الكوبالت في سباق المعادن الحرجة

وتواجه الكونغو الديمقراطية تحديا يتمثل في تحويل ثروتها المعدنية إلى قيمة اقتصادية محلية. فغالبية المعادن تصدر في صورة خام أو بعد معالجة محدودة، بينما تتركز مراحل التكرير والتصنيع المتقدمة خارج البلاد، وخصوصا في الصين. ويرى خبراء أن بناء مصانع صهر وتكرير، وتطوير شبكات الكهرباء والطرق والسكك الحديدية، يمكن أن يرفع عائدات البلاد ويوفر وظائف ويقلل اعتمادها على تصدير المواد الأولية.

لكن توسيع التعدين يثير أيضا مخاوف اجتماعية وبيئية. فالكونغو الديمقراطية تعاني من محدودية الوصول إلى الكهرباء، ولا تزال مناطق التعدين تواجه نزاعات على الأراضي وظروف عمل صعبة، فيما تتداخل الثروة المعدنية في شرق البلاد مع الصراع المسلح ونشاط الجماعات المتمردة. ويحذر خبراء من أن زيادة المنافسة الدولية على المعادن قد لا تعود بالنفع على السكان ما لم تترافق مع شفافية أكبر، وحماية للعمال والمجتمعات المحلية، وتقاسم عادل للعائدات.

وتتجاوز المنافسة على النحاس والكوبالت حدود المناجم لتشمل الموانئ والسكك الحديدية وممرات التجارة. فبينما تدعم الولايات المتحدة ممر لوبيتو، تعمل الصين على تحديث خط السكك الحديدية بين تنزانيا وزامبيا، المعروف باسم تازارا (TAZARA)، باستثمارات تقدر بنحو 1.4 مليار دولار، لربط حزام النحاس الزامبي بميناء دار السلام على المحيط الهندي. وتعكس هذه المشاريع اتساع التنافس الأمريكي الصيني على البنية التحتية التي تنقل المعادن الأفريقية إلى الأسواق العالمية.

وبذلك أصبحت الكونغو الديمقراطية في قلب سباق عالمي على المعادن الحرجة، مع انتقال التركيز تدريجيا من الكوبالت وحده إلى مزيج أوسع يتصدره النحاس. وسيعتمد موقع البلاد في هذا السباق على قدرتها على تحسين الأمن والحوكمة، وتطوير المعالجة المحلية، وضمان ألا تتحول زيادة الاستثمارات إلى تكرار لأنماط الاستغلال التي طبعت تاريخ قطاع التعدين في المنطقة.

المصدر: وكالات