أهم العناوين

النيجر تبدأ إجراءات سحب جنسية “عرب المحاميد” وسط مخاوف من ترحيل جماعي

أثارت أنباء عن شروع السلطات العسكرية في النيجر في إجراءات لسحب وثائق الهوية والجنسية من أفراد قبيلة “عرب المحاميد” في منطقة ديفا جنوب شرقي البلاد، موجة من القلق والجدل على المستويين المحلي والدولي، وسط مخاوف من تكرار سيناريو ترحيل عام 2006 الذي طال عشرات الآلاف من أبناء القبيلة إلى تشاد المجاورة.
ويأتي هذا التطور بعد ثلاث سنوات من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب محمد بازوم في 26 يوليو (تموز) 2023، وفي سياق تصاعد الخطاب العرقي في منطقة الساحل وتشابك الأوضاع الإقليمية المرتبطة بالصراع في السودان.
ووفقاً لتقرير نشرته الأسبوعية النيجرية “أصداء النيجر”، فإن الإجراءات تأتي تنفيذاً لتعليمات صادرة عن وزارة الداخلية النيجرية، تقضي بتحديد هوية الأشخاص المعنيين من أفراد الجالية العربية المعروفين باسم “المحاميد” المقيمين في منطقة ديفا، وسحب وثائق حالتهم المدنية، وإعادتهم إلى “بلدهم الأصلي” تشاد.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن الأمر صدر عن وزير الداخلية بشكل شفوي، من دون تقديم وثيقة مكتوبة أو توضيح الأساس القانوني الذي يجيز سحب أوراق أشخاص ولد كثير منهم في النيجر ويحملون جنسيتها منذ عقود.
وذكرت صحيفة “سكاي نيوز عربية” أن السلطات بدأت إجراءات لسحب وثائق الهوية والجنسية من أفراد القبيلة، في خطوة قد تمهد لترحيلهم إلى خارج البلاد.
ووضعت الصحيفة القرار في سياق توترات حول الموارد الرعوية والزراعية، مشيرة إلى أن “حادثاً عرضياً أخيراً” أعاد إحياء هذه التوترات، دون أن تحدده.

انقلاب-النيجر-300x169 النيجر تبدأ إجراءات سحب جنسية "عرب المحاميد" وسط مخاوف من ترحيل جماعي
مفاوضات مدينة نغيغمي ورفض القبيلة
في تطور ميداني لافت، عُقدت مفاوضات في مدينة نغيغمي التابعة لإقليم ديفا على الحدود مع تشاد، بين ممثلين لقبيلة المحاميد ومسؤولين حكوميين، أُبلغ خلالها وفد القبيلة بضرورة تسليم جميع وثائق الهوية والجنسية (بطاقات الهوية، شهادات الميلاد، جوازات السفر) التي بحوزة أفرادها.
وفي مشهد يعكس غضباً عارماً، رفض ممثلو قبيلة المحاميد “بشكل قاطع” تسليم أوراقهم الرسمية، وطالبوا بنقل المفاوضات إلى العاصمة نيامي لمخاطبة أعلى السلطات.
وفي تسجيل صوتي متداول عبر تطبيق واتساب، قال أحد قادة القبيلة: “أخبرناهم أن سحب أوراقنا غير قانوني. منذ خمسين عاماً ونحن هنا، ولدنا هنا وندفع جميع الضرائب ونلتزم بالقانون. لسنا إرهابيين ولم نشارك في أي نزاع مسلح ضد الدولة”.
وأكد ممثلو القبيلة خلال المفاوضات أن المحاميد لم يتورطوا في أي قضية تمس أمن النيجر، ولم يثبت انضمام أي من أفرادهم إلى الجماعات التي تنشط في البلاد ومنطقة الساحل.

قوات-أمن-نيجرية-300x200 النيجر تبدأ إجراءات سحب جنسية "عرب المحاميد" وسط مخاوف من ترحيل جماعي
مصادرة الممتلكات
تزامنت أزمة الوثائق مع حملة واسعة من مصادر الممتلكات، حيث صادرت السلطات نحو ألفي رأس من الإبل المملوكة لأفراد القبيلة خلال الأيام الماضية، وهو ما وصفته المصادر بـ”التضييق الاقتصادي” الهادف لإجبارهم على الرحيل.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة قطعاناً كبيرة من الإبل تُساق بمرافقة سيارات قيل إنها تابعة للسلطات.
سابقة عام 2006
لا يُعد هذا القرار -إن تأكد- الأول من نوعه. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2006، أعلنت حكومة النيجر عزمها إبعاد عرب منطقة ديفا إلى تشاد بحجة أنهم ليسوا مواطنين. وشمل القرار 150 ألف شخص، بينما تحدثت مبادرة حقوق المواطنة في أفريقيا عن ترحيل 4 آلاف منهم فعلياً.
وقال وزير الداخلية آنذاك مونكايلا مودي إن السكان الأصليين “يشعرون بالاستياء من سلوك هؤلاء العرب ولم يعد بإمكاننا التغاضي عنه”، مضيفاً أن المحاميد “يحملون أسلحة نارية ويشكلون تهديداً يومياً للسكان المحليين” في اشتباكات عند نقاط المياه.
وخلال عملية تجميع المرحلين آنذاك، توفيت فتاتان بعد فرارهما من القوات الحكومية، وتعرضت ثلاث نساء للإجهاض، وفق ما وثقته مبادرة حقوق المواطنة في أفريقيا.
وفي أواخر الشهر نفسه، علق مجلس وزراء النيجر القرار بعد تدخل دول الجوار، وفي مقدمتها تشاد. غير أن التعليق لم يحسم الوضع القانوني للمجموعة، التي ظلت الدولة تصنف كثيرين من أفرادها لاجئين تشاديين بلا أوراق جنسية رسمية.

من هم عرب المحاميد؟
تشير المصادر التاريخية إلى أن جماعات عربية مرتبطة بقبيلة “أولاد سليمان” هاجرت إلى المنطقة من الشمال في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تتوسع غرباً وتنضم إلى رعاة “الشوا” العرب.
ويشكل العرب نحو 1.5% من سكان النيجر، فيما تضع بعض الدراسات الأكاديمية النسبة عند 0.3%. وينتمي معظمهم إلى فرع المحاميد من قبيلة الرزيقات، التي تمتد مجتمعاتها عبر السودان وتشاد.
وتتميز منطقة ديفا بالتنوع العرقي، حيث تضم إلى جانب المحاميد جماعات التبو والفولاني والكانوري. وقد عاشت هذه الجماعات تاريخياً في سلام، لكن التنافس على الموارد الطبيعية اشتد في العقود الأخيرة، مما ساهم في نشوب توترات دورية.
الصراع في السودان كعامل محفز
أصبحت تحركات بعض دول المنطقة، كما فعلت النيجر، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتطورات الصراع في السودان. فاستمرار سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور يثير مخاوف من هجرات جماعية من وإلى بعض دول المنطقة.
وتشير تقديرات دراسة نشرتها مجلة “الأصول” الصادرة عن جامعة ولاية أوهايو إلى أن أكثر من 4 آلاف نيجري يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، تنتمي الغالبية العظمى منهم إلى مجتمع المحاميد.
كما أشارت الدراسة إلى أن قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ينتمي إلى الماهرية، وهي فرع آخر من قبيلة الرزيقات الأوسع.
وفي أعقاب الانقلاب العسكري في النيجر في 26 يوليو (تموز) 2023، اتهمت المجلس العسكري الحاكم الرئيس المعزول محمد بازوم بإرسال مقاتلين عرب لدعم قوات الدعم السريع في السودان، مع تقدير بعض المصادر السودانية لعددهم بنحو 6 آلاف مقاتل. ويُذكر أن بازوم، الذي ينتمي إلى قبيلة أولاد سليمان وولد في منطقة ديفا، أصبح أول رئيس للنيجر من مجتمع ديفا العربي.

مدينة-نغيغمي-1-300x254 النيجر تبدأ إجراءات سحب جنسية "عرب المحاميد" وسط مخاوف من ترحيل جماعي
الموقف الرسمي والغموض القانوني
ولم يصدر عن سلطات النيجر بيان رسمي في هذا الشأن حتى إعداد هذا التقرير، ولم ترد أرقام عن أعداد المعنيين، كما لم يصدر تعليق من إنجمينا ولا من ممثلي الجالية العربية في النيجر.
ولم تنشر حكومة نيامي حتى الآن نص القرار أو توضح ما إذا كان الأمر يتعلق بالتدقيق في وثائق الجنسية أو بإلغائها، كما لم تعلن عدد الأشخاص المشمولين به أو الوجهة التي ستنقلهم إليها في حال تنفيذ الترحيل.
ويضع هذا الغموض حاملي الوثائق النيجرية أمام خطر التجريد الفعلي من الجنسية، رغم عدم إعلان مرسوم جماعي رسمي بسحب الجنسية منهم، وهو ما قد يجعلهم عرضة للترحيل أو انعدام الجنسية.
تقارير حقوقية دولية
في سياق متصل، اتهمت منظمات حقوقية المجلس العسكري الحاكم في النيجر، في تقرير صدر في 23 يوليو (تموز) 2026، بـ”ترسيخ حكم سلطوي” وشن “هجوم متسع على حقوق الإنسان” منذ انقلابه على الرئيس المنتخب.
وأشارت المنظمات إلى أن الجنرال عبد الرحمن تياني ورفاقه عززوا سلطاتهم عبر حل جميع الأحزاب السياسية وعدد من النقابات المستقلة، وتعليق نشاط عشرات منظمات المجتمع المدني، واستغلال قانون الجرائم الإلكترونية لملاحقة الصحفيين، وتجريد معارضين من جنسيتهم، وإعلان الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، وتمديد المرحلة الانتقالية دون خارطة طريق نحو انتخابات.
وأضافت المنظمات أن المجلس العسكري يواصل احتجاز الرئيس المعزول محمد بازوم وزوجته، ووزير الداخلية السابق حما عمادو سولي، والمدافع البارز عن حقوق الإنسان موسى تيانغاري.
يُشار إلى أن السلطات النيجرية كانت قد أصدرت في 6 يناير (كانون الثاني) 2025 مرسوماً بسحب الجنسية بشكل مؤقت من شخصين بتهم تتعلق بالأمن الوطني، ليرتفع عدد من جُردوا من جنسيتهم بموجب هذا المرسوم إلى 18 شخصاً.
وتثير إجراءات سحب الجنسية من “عرب المحاميد” في النيجر تساؤلات جدية حول مستقبل المواطنة وحقوق الإنسان في منطقة الساحل، في وقت تتشابك فيه الأزمات الإقليمية والصراعات العرقية والنزاعات على الموارد.
ومع غياب الوضوح الرسمي ورفض القبيلة القاطع، تبقى الأنظار متجهة إلى نيامي لمعرفة ما إذا كانت هذه الإجراءات تمهد لتكرار تجربة 2006، أم أنها ستظل مجرد تهديد يذوب في أروقة المفاوضات والضغوط الدبلوماسية الدولية.