
النادي الأفريقي يعود إلى مجموعات دوري الأبطال وجماهيره تستحضر ذاكرة أفريقيا
مالك زغدودي
في مساء الأحد الماضي اتّجهت أنظار الشارع الرياضي التونسي إلى ملعب حمادي العقربي برادس حيث واجه النادي الأفريقي ضيفه تي بي مازيمبي الكونغولي في إياب الدور التمهيدي الثاني من دوري أبطال أفريقيا. دخل فريق باب الجديد المباراة بأفضلية التعادل بهدف لمثله في لوبومباشي. وكانت الجماهير تنتظر تأهّلا يعيد ناديها إلى دور المجموعات بعد سنوات من الغياب. وقبل انطلاق المواجهة كشفت المدرّجات عن تيفو ضخم لمجموعة “نورث فَندالز” ظهرت فيه خريطة أفريقيا وعِبارتان كتب باللغة الانڨليزية وهما: “بدأت الإنسانية في أفريقيا” و”جاءت اللاإنسانية لاحقا”
وحسم النادي الأفريقي لقاء الإياب بهدف دون رد وعبر بنتيجة إجمالية (2-1) إلى دور المجموعات للمرة الأولى منذ موسم 2018-2019. حمل الفوز أهمية رياضية أمام منافس توّج خمس مرات باللقب القاري. كما أعاد إلى الواجهة طموح فريق أصبح سنة 1991 أول ناد تونسي يحرز كأس أفريقيا للأندية البطلة. أما المدرّجات فقد اختارت أن ترافق الانتصار بإشارة إلى تاريخ القارة التي يحمل النادي اسمها. من هنا تتقاطع حكاية التأهّل مع ذاكرة التأسيس وثقافة الألتراس وأسئلة الانتماء الأفريقي في تونس.
وتتّخذ العودة إلى دوري المجموعات دلالة رياضية تتجاوز مباراة واحدة. فالتأهّل يضع النادي مجدّدا أمام اختبارات تتطلّب الاستقرار الفني والإداري والقدرة على منافسة فرق اعتادت الحضور في المواعيد القارية الكبرى. و
ويعيد إلى الجماهير ذكريات مراحل كان فيها الفريق منافسا على الألقاب الأفريقية. فقد أظهرت مواجهة مازيمبي قيمة نتيجة الذهاب في لوبومباشي وأهمية حسم مباراة العودة على أرض رادس. وفي مثل هذه المناسبات تتشكّل ذاكرة الجمهور من تفاصيل الأداء والنتائج والأجواء التي تسبق صافرة البداية. لذلك لا يمكن فصل الرسالة التي حملتها المدرّجات عن اللحظة الرياضية التي أطلقتها. فالاِحتفاء بالعودة إلى أفريقيا منح اللوحة الجماهيرية سياقها المباشر وجعلها جزءا من يوم كروي انتظره أنصار الفريق طويلا.

من التأسيس إلى العودة القارية
تأسّس النادي الأفريقي رسميا يوم 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1920 في ظل الحماية الفرنسية. وكانت الرياضة آنذاك من المجالات التي ظهرت فيها التفاوتات التي فرضها النظام الاستعماري على حق التونسيين في التنظيم والتمثيل. لذلك ارتبط إنشاء الجمعيات الرياضية الوطنية برغبة الشباب في بناء مؤسسات تعبّر عنهم وتمنحهم مساحة للمشاركة الاجتماعية. لا يعني ذلك أن كل نشاط رياضي كان عملا سياسيا مباشرا. لكنه يفسّر كيف اكتسب النادي مكانة تجاوزت نتائج المباريات.
يوثّق مقال “النادي الأفريقي: ملحمة الـ100 سنة” المنشورة في موقع الكتيبة سنة 2020 محطّات من صلته بالحركة الوطنية. من بينها حضور شخصيات وطنية في محيطه والمساهمة في أنشطة تضامنية مع المعتقلين السياسيين واستعمال الرموز الوطنية خلال سنوات الاستعمار.
وتبرز مقاطعة المنافسات سنة 1952 ضمن سياق تعبئة أوسع ضد السلطات الفرنسية. تكشف هذه الوقائع أن الملاعب والجمعيات كانت جزءا من الحياة العامة في مرحلة كان فيها الحق في التنظيم محلّ صراع.
بعد استقلال تونس سنة 1956 اتّسع الحضور الرياضي للنادي محليا ومغَاربيا وأفريقيا. وبلغ إحدى أبرز محطّاته سنة 1991 عندما أحرز كأس أفريقيا للأندية البطلة.
أسهمت المباريات القارية في تحويل اسم الأفريقي إلى تجربة عاشتها أجيال من المشجّعين عبر السفر والمنافسة والتتويج. لكن ينبغي التمييز بين معنى الاسم عند التأسيس ودلالاته اللاحقة. فلا توجد أدلّة كافية للقول إن المؤسّسين تبنّوا سنة 1920 تصوّرا سياسيا للوحدة الأفريقية بالشكل الذي ستطوّره حركات التحرّر لاحقا.
تتجدّد معاني الرموز الرياضية بتغيّر الأجيال والظروف. فالنادي الذي نشأ في مجتمع خاضع للاستعمار صار لاحقا أحد أبطال القارة ثم عرف أزمات مالية وتَسييرية أثّرت في نتائجه. ولهذا جاءت العودة أمام مازيمبي حدثا مهمّا لجماهير تبحث عن استعادة الحضور القاري. غير أن اختيار صورة أفريقيا في التيفو أعاد طرح سؤال آخر: كيف تحوّل اسم النادي إلى وعاء لمعان تاريخية وإنسانية تتجاوز التنافس الرياضي؟
وكانت تسمية النادي نفسها قابلة لاكتساب دلالات جديدة مع اتّساع العلاقات الرياضية بين بلدان القارة. فقد ساهمت البطولات الأفريقية في بناء معرفة جماهيرية بمدن وأندية وملاعب بعيدة عن تونس.
تحوّلت المواجهات القارية إلى مناسبات يكتشف فيها الجمهور تاريخ منافسيه وثقافاتهم الرياضية. ولا تتساوى هذه المعرفة بالضرورة مع تبنّي موقف فكري أو سياسي من قضايا أفريقيا. لكنها تفتح مجالا للتفاعل وتمنح اسم النادي حضورا يتجدّد مع كل مشاركة. ولهذا تبدو استعادة دور المجموعات فرصة رياضية حقيقية وفي الوقت نفسه مناسبة لفهم الكيفية التي تعيد بها الجماهير إنتاج معاني الانتماء إلى فريقها.
https://www.youtube.com/watch?v=nzNxIpSSw0w
ذاكرة التحرّر وأسئلة الحاضر في تيفو ألتراس النادي الأفريقي
في محاولة لقراءة التيفو الذي أنجزته مجموعة “نورث فَندالز” (North Vandals)، التابعة لكُورفَا نور، خلال مباراة النادي الأفريقي وتي بي مازيمبي الكونغولي، اعتمدتُ مقاربة تحليلية تجمع بين التأويل السيميائي لعناصره البصرية وتحليل خطاب البيان المرافق له، مع محاولة وضع دلالاتِهما في سياق تاريخ النادي الأفريقي وثقافة الألتراس، وربطهما بالنقاشات الأوسع حول الهوية والانتماء الأفريقي في تونس..
لفهم هذه الرسالة ينبغي العودة إلى ثقافة الألتراس التي تطوّرت في تونس منذ بداية الألفية. فقد أنتجت مجموعات المشجّعين أشكالا خاصة من التنظيم والأغاني والرسوم الجدارية والتيفوهات. وأصبحت المدرّجات فضاء للتعبير عن تجارب الشباب وعلاقتهم بالمدينة والسلطة والملعب. وتناول تحقيق “الألتراس في تونس: صرخة أزَلية في وجه السِيستام” المنشور في الكتيبة سنة 2020 هذا التاريخ بما فيه التوتّر مع الأجهزة الأمنية وتحوّلات التعبير الجماهيري قبل ثورة 2011 وبعدها.
داخل هذه الثقافة لا يمكن اعتبار كل مشجّعي النادي أصحاب موقف سياسي واحد. روابط المشجعين تضمّ أفرادا من خلفيات مختلفة وتنتج خطابها وفق تجاربها الخاصة.
وقد تكون داخل جماهير الأفريقي مجموعات مختلفة من بينها أفريكان وينرز والليدَارز ورفعت عبر السنوات رسائل تضامن مع القضية الفلسطينية ونقد الرأسمالية وتحويل كرة القدم إلى سلعة
واختارت نورث فَندالز في مواجهة مازيمبي لوحة تتوسّطها شخصية ملثّمة بألوان الأحمر والأبيض تحمل خريطة القارة متعدّدة الألوان. وحوّلت العبارة المرافقة الصورة إلى خطاب عن الأصل الإنساني لأفريقيا وما شهدته من استعمار واستعباد واستغلال.

وتعتمد قوة التيفو على تكثيف بصري يختصر أفكارا متعدّدة في صورة واحدة. فَالخريطة الملوّنة التي يحملها المشجّع الملثّم تستدعي وحدة المجال الأفريقي رغم اختلاف دوله وشعوبه. وتضع العبارة الإنجليزية المتلقّي أمام مقارنة بين تاريخ الإنسان وتاريخ الإخضاع. أما اختيار اللغة الإنجليزية فيسمح بتداول الرسالة خارج الجمهور المحلي عبر الصور المنشورة على المنصات الرقمية. ولا يحتاج المتابع إلى معرفة تفاصيل المباراة حتى يدرك الموضوع الذي تقترحه اللوحة. وهذه إحدى خصائص أعمال الألتراس المعاصرة: تحويل لحظة محدودة داخل الملعب إلى مادة للنقاش العام تتنقّل بين صفحات المشجّعين ووسائل الإعلام والفضاءات الاجتماعية.
وفي بيانها المرافق للتيفو تناولت المجموعة استمرار أشكال الهيمنة والتدخّلات الأجنبية. كما أشارت إلى الحرب في السودان وتداعياتها الإنسانية وأكّدت تضامنها مع الشعب الفلسطيني. واختزلت موقفها في عبارة «النادي أفريقي، والهوية أفريقية، والموقف لا يحتمل الحياد». وتكشف هذه الصياغة عن محاولة وصل الانتماء إلى فريق كرة قدم بالتضامن مع شعوب القارة وبقضايا التحرّر. كما انتقد البيان اختزال التشجيع في الاستهلاك الرياضي وتحويل كرة القدم إلى سلعة.
وذيّلت المجموعة بيانها باسم عمر العبيدي الذي توفّي غرقا في وادي مليان يوم 31 مارس 2018 عقب مباراة للنادي الأفريقي في رادس. ووفق شهادات رفاقه جاءت الوفاة إثر مطاردة أمنية. وقد أصبحت قضيته مرتبطة بحملة “تعلّم عوم” المطالبة بكشف الحقيقة والمحاسبة. واستحضار اسمه في البيان يذكّر بأن الذاكرة الاحتجاجية للمشجّعين لا تتعلّق بالقضايا البعيدة وحدها وإنما تتّصل أيضا بما شهدته الملاعب التونسية من نزاعات حول الأمن والحقوق.
تستمدّ عبارة “بدأت الإنسانية في أفريقيا” قوتها من المعارف العلمية التي تشير إلى الأصل الأفريقي للإنسان العاقل. أما “جاءت اللاإنسانية لاحقا” فهي استعارة أخلاقية تستحضر تاريخ الاستعباد والاستعمار ولا تقدّم تفسيرا علميا لنشأة العنف البشري.
وتفتح هذه المفارقة بابًا لقِراءة فلسفية تستحضر في ذهني فكر فرانز فانون، الذي حلّل في كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” الآثار النفسية والاجتماعية للعنصرية الاستعمارية، ثم تناول في “معذّبو الأرض” العنف الاستعماري ونضالات التحرّر واستعادة الكرامة.
وفي ذات السياق، يتتبّع أشيل مبيمبي في “نقد العقل الزنجي” تاريخ التصنيفات العنصرية التي ربطت السواد بالدونية، وعلاقتها بالاستِعباد والاستعمار وأشكال الاستغلال الحديثة. وتساعد هذه الأفكار على فهم ما تثيره اللوحة من أسئلة حول نزع الإنسانية، وهذا قطعا دون افتراض أن المجموعة استندت مباشرة إلى أعمال الفيلسوفين.
أعترف أنه ربما أكون قد حمّلت هذا التيفو أكثر مما يحتمل من دلالات وأبعاد فلسفية، غير أنني أنظر إلى من أنجزوه، من زاوية ما باعتبارهم فنانين وحاملي قضية في الآن نفسه. وهنا استحضر (بتصرّف) فكرة دُولوزية، مفادها أن الفنان يتوارى خلف عمله ليترك له حرية الحياة والتأثير خارج سلطة صاحبه. فبمجرّد أن ارتفعت اللوحة في المدرّجات، خرجت من حدود نوايا صانعيها وأصبحت ملكا رمزيا للجمهور، مفتوحة على قراءاته وتأويلاته واختلافاته. ولعلّ قيمة هذا التيفو تكمن أيضا في قدرته على إنتاج معان قد لا يكون أصحابه قد فكّروا فيها أصلا، وهي إحدى خصائص العمل الفني حين يتجاوز لحظة إنجازه ويواصل حياته في عيون الآخرين.

تكتسب الرسالة معنى إضافيا في تونس التي تشهد منذ سنة 2023 نقاشات حادّة حول الهجرة القادمة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. تطرح السلطات ضرورة تنظيم الهجرة وحماية الحدود ومكافحة الاتجار بالبشر. وفي المقابل توثّق منظمات حقوقية مخاوف تتعلّق بالتمييز والانتهاكات التي تطال بعض المهاجرين وطالبي اللجوء. كما تنتشر أحيانا خطابات تخلط بين الوضع القانوني للأشخاص ولون بشرتهم أو أصولهم. وقد اعتمدت تونس سنة 2018 قانونا أساسيا لمناهضة التمييز العنصري لكن وجود النص القانوني لا يعني زوال الممارسات التمييزية.
ويستدعي النقاش حول أفريقيا في تونس الانتباه إلى الفوارق بين السياسات العمومية والمواقف الفردية والتعبيرات الثقافية. فالخلاف بشأن تنظيم الحدود أو شروط الإقامة لا يساوي تلقائيا موقفا عنصريا. وفي المقابل لا يجوز أن تتحوّل الصعوبات الاقتصادية أو الاعتبارات الأمنية إلى مبرّر للتعميم على مجموعات بشرية وفق أصولها. وتكمن أهمية استحضار الكرامة الإنسانية في أنه يتيح مناقشة هذه الملفات دون تجاهل اختصاصات الدولة أو الحقوق الأساسية للأفراد. ومن هذا المنظور يمكن للخطاب الرياضي الذي يحتفي بتاريخ القارة أن يفتح نقاشا مفيدا حول صورها المتداولة في المجتمع من غير تحميل الجماهير مواقف لم تعلنها.
لم يتناول بيان نورث فَندالز صراحة سياسة الهجرة التونسية بصورة صريحة. لذلك يبقى الربط بين التيفو وأوضاع المهاجرين قراءة صحفية للسياق لا موقفا منسوبا إلى المجموعة. ومع ذلك يتيح الاحتفاء بالقارة داخل الملعب التفكير في المسافة بين الاعتزاز بالهوية الأفريقية والصور الاجتماعية المتداولة عن بعض أبنائها. فالانتماء التونسي تشكّل عبر امتدادات مغاربية وعربية ومتوسّطية وأفريقية متداخلة. ولا يلغي أحد هذه الأبعاد الآخر.
وفي هذا المعنى لا تكمن قيمة اللوحة في الاتفاق التام مع كل ما ورد في البيان أو في تحويل جمهور كرة القدم إلى كتلة سياسية واحدة. الأهم أنها تكشف كيف تستطيع مجموعة من المشجّعين اختيار موضوع من خارج المنافسة المباشرة وتقديمه بلغة يفهمها جمهور واسع. كما تذكّر بأن صورة أفريقيا في المخيال الرياضي التونسي ليست ثابتة. فهي تتشكّل عبر التاريخ والمباريات والتجارب الاجتماعية والنقاشات العامة. وبين النتيجة التي سجّلها الفريق في رادس والرسالة التي ظهرت على المدرّجات تتجاور طريقتان للاحتفاء بالقارة: واحدة تصنعها كرة القدم وأخرى تصوغها الذاكرة والأسئلة الإنسانية.
في النهاية لا تمنح لوحة جماهيرية واحدة صورة مكتملة عن مواقف جميع أنصار النادي أو عن المجتمع التونسي. لكنها تكشف قدرة المدرّجات على نقل موضوع تاريخي وإنساني إلى جمهور واسع عبر الصورة والشعار.
لقد أعادت نتيجة رادس النادي الأفريقي إلى مجموعات دوري الأبطال، وأعادت الجماهير بالتوازي طرح سؤال معنى أفريقيا في الذاكرة الرياضية والوطنية.



























إرسال التعليق