
بالألوان والأشجار.. صراع الصمت والخضرة في عاصمة الكاميرون
تتراجع المساحات الخضراء في العاصمة الكاميرونية ياوندي بشكل متسارع تحت زحف الإسمنت ومشاريع التوسع العمراني، لتتحول المتنزهات والحدائق التي طالما كانت متنفسا للسكان وموئلا للذكريات إلى مواقف للسيارات ومباني عشوائية. وفي مواجهة هذا التراجع البيئي المقلق، يبرز تحرك مجتمعي خجول لكنه طموح يقوده متطوعون وشباب لاستعادة رئة المدينة المفقودة، شجرة إثر شجرة.
وتشير الدراسات الصادرة عن جامعة ياوندي إلى أن رقعة المدينة قد توسعت بشكل دراماتيكي من نحو 33 ميلا مربعا عام 1984 لتصل إلى 181 ميلا مربعا بحسب إحصاءات عام 2024. وخلال هذه الفترة الزمنية، هوت نسبة الغطاء الشجري والمسطحات الخضراء في العاصمة من 28.6% إلى مجرد 5.4%.
يأتي هذا التراجع مدفوعا بالنمو الديموغرافي المتسارع، حيث بلغ عدد سكان العاصمة نحو 5.1 ملايين نسمة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة لعام 2025، في ظل عجز قطاع الإسكان الرسمي عن تلبية الطلب المتزايد، مما أدى إلى انتشار المستوطنات العشوائية والتوسع على حساب الوديان والمساحات الخضراء.
خسائر وجدانية وبيئية
ولا يقتصر الثمن المدفوع على الجانب البيئي فحسب، بل يمتد إلى الذاكرة الجمعية للسكان. يروي صوستين هيغوي نغونو، وهو مدرس رياضيات يبلغ من العمر 36 عاما، بأسى قصة تحول متنزه “إسوس” الحيوي في حي شعبي بياوندي إلى مرآب خاص للسيارات، مستذكرا الأوقات التي كان يقضيها هناك هرباً من ضغوط الحياة.
من جانبه، يحذر الخبير المناخي جان ماري إيسوه من التداعيات الخطيرة لتقلص الغطاء الشجري، مؤكداً أن الأشجار تلعب دوراً محورياً في امتصاص مياه الأمطار، وتخفيف جريانها، وتثبيت التربة، إلى جانب خفض درجات الحرارة في مدينة تلتهمها الكتل الخرسانية يوماً بعد يوم. كما يسهم اختفاء هذه المساحات في تفاقم أزمة التغير المناخي وزيادة حدة الفيضانات الموسمية التي تضرب المدينة.
وأمام عجز السلطات وتراجع التدخل الرسمي، برزت مبادرات أهلية لملء الفراغ. يقود جان باتبث تشنغانغ، وهو بستاني عصامي يبلغ من العمر 34 عاما، جهودا نوعية من ضاحية “نكولبيسون”، حيث أنشأ مشتلًا خاصاً لزراعة الشجيرات ونباتات الزينة الملائمة لمناخ ياوندي.
ومنذ عام 2022، نجح تشنغانغ في تدريب نحو 300 شخص على تقنيات التسميد العضوي والحفاظ على النباتات المحلية، ونجح عدد من متدربيه في تحويل قطع أرضية مهملة إلى حدائق منتجة ومساحات اجتماعية. ورغم التحديات الكبيرة المتمثلة في شح التمويل وصعوبة الحصول على الأراضي، يصر هؤلاء المتطوعون على مواصلة رسالتهم.
وفي السياق ذاته، تقوم طالبة التخطيط العمراني ميريل نونغا مع زملائها بعمل توثيقي ورسم خريطة تفصيلية للمساحات الخضراء المتبقية منذ عام 2023، لتحديد مواقع محتملة لعمليات إعادة التشجير وحمايتها من الزحف العمراني.
وعود حكومية وتحرك مرتقب
تدرك السلطات المحلية حجم التحدي القائم؛ فقد أطلق مشروع “موفي ياوندي” في يناير 2024 متضمنا خطة تجديد حضري لأربع سنوات تستهدف توفير نحو ألف متر مربع من المساحات الخضراء، وإدخال مسارات مشاة مشجرة ورصف نفاذ للمياه.
بينما تنتظر المدينة ترجمة هذه الوعود الرسمية على أرض الواقع، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على وعي الأجيال الجديدة وجهود المتطوعين مثل نونغا وتشنغانغ، الذين يؤمنون بأن الدفاع عن الخضرة هو دفاع عن مستقبل المدينة وقدرتها على البقاء.



























إرسال التعليق