
إيبولا في الكونغو .. وباء أم صراع على الثروات؟
يظل التساؤل حول علاقة إيبولا بصراع الثروات في الكونغو الديمقراطية مفتوحاً بين مطرقة الواقع العلمي وسندان الشكوك الجيوسياسية المشروعة. وسواء كانت هذه الأوبئة طبيعية المنشأ أو تم “استثمارها” سياسياً لتعزيز حالة عدم الاستقرار، فإن الحقيقة الثابتة هي أن الشعب الكونغولي يظل الضحية الوحيدة في صراع الكبار على معادن أرضه. إن تحقيق استقرار حقيقي في الكونغو وضمان سيادتها على مواردها هما السبيل الوحيد لكسر حلقة الأوبئة والفقر، وتحويل ثرواتها من “لعنة” تثير الأطماع وتجلب الأمراض إلى “نعمة” تضمن الكرامة والتنمية لمواطنيها بعيداً عن صراعات القوى العظمى.
تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أكثر بقاع الأرض تناقضاً؛ فهي “قلب أفريقيا النابض” بثروات معدنية لا غنى عنها للصناعات التكنولوجية الحديثة، وهي في الوقت ذاته ساحة لأزمات صحية وسياسية لا تنتهي. ومع إعلان تفشي وباء إيبولا للمرة السابعة عشرة منذ اكتشافه لأول مرة في عام 1976، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز التفسيرات الطبية التقليدية: هل تكرار هذه الأوبئة في بلد يمتلك مفاتيح مستقبل الطاقة العالمي هو مجرد صدفة بيولوجية، أم أنه “فوضى منظمة” تخدم مصالح قوى دولية وجهات مستفيدة تسعى لإبقاء المنطقة في حالة من السيولة الأمنية؟
تكمن أهمية الكونغو الديمقراطية الاستراتيجية في امتلاكها لأكثر من 70% من احتياطيات الكوبالت العالمي، و60% من احتياطيات الكولتان، وهي معادن حيوية لا يمكن بدونها إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية، الهواتف الذكية، أو حتى أنظمة الدفاع المتقدمة. هذا الغنى الفاحش جعل البلاد ساحة لتنافس محموم بين القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، في إطار ما يعرف بـ “سباق المعادن الحرجة”. وفي ظل هذا الصراع الجيوسياسي، يرى الكثير من المراقبين والمواطنين في الداخل الكونغولي أن عدم الاستقرار السياسي والأمني، الذي تغذيه الأوبئة المتكررة، يمثل بيئة مثالية للشركات العابرة للقارات والميليشيات المحلية لاستخراج هذه المعادن بعيداً عن رقابة الدولة وبأقل التكاليف الممكنة، حيث تغيب المحاسبة في ظل انشغال العالم بمواجهة الأزمات الإنسانية.
تنطلق فرضية “المؤامرة” في هذا السياق من ملاحظة توقيت ومكان تفشي الأوبئة؛ فغالباً ما تتركز الإصابات في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية، مثل إقليمي إيتوري وكيفو الشمالية، وهي المناطق ذاتها التي تشهد نزاعات مسلحة وتضم أكبر مناجم الذهب والكولتان. ويجادل أصحاب هذه الفرضية بأن تفشي وباء مثل إيبولا يؤدي إلى فرض حالة الطوارئ، وتقييد الحركة، وتوجيه الانتباه الدولي نحو المساعدات الطبية، مما يوفر غطاءً مثالياً لعمليات نهب الثروات أو تمرير صفقات مشبوهة خلف الستار. إن فكرة “تدبير الأوبئة” كأداة للتحكم الديموغرافي أو الاقتصادي ليست مجرد خيال علمي في الوعي الأفريقي، بل هي رؤية تتغذى على تاريخ طويل من الاستغلال الاستعماري الذي لم يتوقف يوماً عن استنزاف القارة.
تاريخياً، لا يمكن لوم الشعب الكونغولي على شكوكه العميقة؛ فمنذ فظائع الملك ليوبولد الثاني في “دولة الكونغو الحرة” التي كانت تُعامل كإقطاعية خاصة، وصولاً إلى التجارب الطبية المثيرة للجدل التي أجريت في القارة دون معايير أخلاقية كافية، تشكلت فجوة هائلة من عدم الثقة تجاه المنظمات الدولية والبعثات الأجنبية. وفي التفشي الأخير عام 2026، تصاعدت الشائعات التي تربط بين اللقاحات وبين محاولات السيطرة على السكان أو حتى حقنهم بمواد مجهولة، مما أدى في بعض الأحيان إلى هجمات على مراكز العلاج. هذه المقاومة الشعبية لا تنبع من جهل طبي بقدر ما تنبع من “وعي تاريخي مرير” يرى في كل تدخل أجنبي، مهما بدا إنسانياً، وجهاً جديداً للاستعمار الاقتصادي.
ومع ذلك، يقابل هذه الفرضيات واقع علمي وتقني يؤكد أن إيبولا فيروس حيواني المنشأ ينتقل من الحياة البرية إلى الإنسان نتيجة تدمير الغابات الاستوائية والتوسع العمراني غير المنظم الذي يقرب البشر من خزانات الفيروس الطبيعية. ويرى الخبراء أن ضعف البنية التحتية الصحية، وهشاشة مؤسسات الدولة، واستمرار الحروب الأهلية الممولة من أطراف خارجية، هي العوامل الحقيقية التي تجعل الكونغو بيئة خصبة لانتشار الفيروسات وتحولها إلى أوبئة فتاكة. فالفوضى، وإن كانت تخدم تجار الحروب والشركات الكبرى، إلا أنها تظل في نظر العلم نتيجة طبيعية لفشل التنمية والعدالة الاجتماعية وليست بالضرورة صنيعة مختبرات سرية.























