
سباق الذكاء الاصطناعي يضع استقلال أفريقيا على المحك
تواجه الحكومات والشركات الأفريقية خيارًا استراتيجيًا متزايد الأهمية مع تسارع الانقسام بين منظومتي الذكاء الاصطناعي اللتين تقودهما الولايات المتحدة والصين، في وقت تتجه فيه البنية التكنولوجية العالمية إلى مزيد من التباعد وعدم التوافق.
ويحذّر تقرير جديد صادر عن معهد مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG Institute) بعنوان “الانقسام الكبير: كيف تعمل الولايات المتحدة والصين على تقسيم عالم الذكاء الاصطناعي”، من أن القرارات التي تتخذها الدول والشركات الأفريقية اليوم قد تحدد مستوى استقلالها وقدرتها على مواجهة التقلبات الجيوسياسية خلال السنوات المقبلة.
ولا يقتصر التنافس العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وفق التقرير، على تطوير النماذج الأكثر قوة، بل يمتد إلى السيطرة على منظومة متكاملة تشمل الرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، والنماذج الأساسية، والتطبيقات، وحوكمة البيانات، وبروتوكولات الأمن.
ومع تحول هذه المكونات إلى بنية تحتية استراتيجية، بات اختيار المنظومة التقنية أقرب إلى قرار جيوسياسي منه إلى خيار تجاري أو تقني محض.
سباق على كامل سلسلة القيمة
تحتفظ الولايات المتحدة بصدارة جانب العرض في قطاع الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بقوة الاستثمار، وتوافر المواهب، وتقدم النماذج المتطورة، واتساع البنية التحتية للحوسبة.
ووفق معطيات التقرير، جمعت الشركات الناشئة الأمريكية منذ عام 2023 نحو 380 مليار دولار من رأس المال الاستثماري المرتبط بالذكاء الاصطناعي، فيما أنفقت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى أكثر من 300 مليار دولار على البحث والتطوير خلال عام 2024 وحده، ذهب جزء كبير منها إلى الذكاء الاصطناعي والابتكارات المرتبطة به.
كما تجاوز الإنفاق الرأسمالي لأكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية 400 مليار دولار في عام 2025، مقابل نحو 63 مليار دولار في الصين، مع توقعات بتخطي الإنفاق الأمريكي حاجز 800 مليار دولار في عام 2026.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة الاستثمارية في بعض حلقات سلسلة القيمة، ولا سيما في الحوسبة المتقدمة والبنية التحتية اللازمة لتدريب وتشغيل النماذج الكبرى.
في المقابل، تطور الصين نموذجًا مختلفًا يقوم على الذكاء الاصطناعي منخفض التكلفة، وتسريع التبني المحلي، والنماذج ذات الأوزان المفتوحة، وتعزيز الاعتماد على القدرات المحلية في مختلف مراحل سلسلة القيمة، بما في ذلك تطوير الرقائق.
ويرى التقرير أن هذا النموذج قد يكون ذا صلة خاصة بالاقتصادات الناشئة، نظرًا إلى تركيزه على خفض الكلفة وسرعة الانتشار والاستفادة من علاقات تجارية واستثمارية واسعة مع دول الجنوب العالمي.
أفريقيا بين الكلفة والقدرات المتقدمة
بالنسبة إلى أفريقيا، لا يمثل هذا الانقسام سيناريو نظريًا بعيدًا، إذ يتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا متزايدًا في تقديم الخدمات العامة، ورفع الإنتاجية الصناعية، وتوسيع الشمول المالي، وتطوير أنظمة الرعاية الصحية والتعليم، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتعزيز القدرة التنافسية الوطنية.
وعليه، فإن السؤال المطروح أمام القادة الأفارقة لا يتعلق بسرعة تبني الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بالمنظومة التي ستُبنى عليها هذه التطبيقات، ومدى قدرة الدول والشركات على الاحتفاظ بهامش مناورة يسمح لها بتغيير مزودي التكنولوجيا أو الجمع بين أكثر من خيار عندما تتبدل الظروف السياسية أو التنظيمية أو التجارية.
وتوفر المنظومات التي تقودها الولايات المتحدة، بحسب التقرير، إمكانية الوصول إلى قدرات متقدمة، وبنى سحابية ناضجة، وأدوات مؤسسية ذات انتشار عالمي.
أما المنظومات الصينية، فقد تمنح بعض الأسواق كلفة أقل، وسرعة أكبر في التنفيذ، وتوافقًا أوثق مع علاقات البنية التحتية القائمة. غير أن تبني أي من المسارين دون استراتيجية واضحة للهندسة التقنية قد يؤدي إلى تبعيات طويلة الأمد يصعب التراجع عنها.
وتزداد حساسية هذا الخيار في ضوء الحضور الاقتصادي الصيني الواسع في دول الجنوب العالمي؛ فالصين تُعد الشريك التجاري الرئيسي لـ 78 دولة من دول الجنوب العالمي، كما بنت أو موّلت أو شغّلت أكثر من ثلث الموانئ التجارية الأفريقية من خلال استثماراتها في البنية التحتية، وفق ما أورده التقرير.
المرونة بدل الاصطفاف المبكر
وقال نيكولاوس لانغ، المدير العالمي للمعهد وأحد المشاركين في إعداد التقرير، إن سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين يدخل مرحلة جديدة، وإن اختيار المنظومة التقنية سيحدد بصورة متزايدة الأماكن التي يمكن للشركات العمل فيها، وحجم تعرضها للتقلبات الجيوسياسية.
وأضاف لانغ أن المؤسسات التي تتحرك الآن، بينما لا تزال مساحة المرونة متاحة، ستكون الأقدر على التعامل مع المرحلة المقبلة.
ويعكس هذا الطرح دعوة إلى عدم التعامل مع اختيار مزود الذكاء الاصطناعي باعتباره قرار شراء تقنيًا محدودًا، بل باعتباره قرارًا طويل الأمد يمس التشغيل والأمن والامتثال والقدرة التنافسية.
ثلاث ركائز لبناء بنية مرنة
يقترح التقرير ثلاث أولويات رئيسية لمساعدة المؤسسات الأفريقية على الحد من مخاطر الارتهان التكنولوجي:
1. تجنّب نقاط الفشل الأحادية عبر الاحتفاظ بخيارات احتياطية في الطبقات الحيوية، مثل النماذج، والبنية السحابية، وإمكانية الوصول إلى موارد الحوسبة.
2. تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة تسمح باستبدال طبقة واحدة دون الحاجة إلى إعادة بناء البنية الكاملة من الصفر.
3. التنوع التقني: الجمع بين مزودين مختلفين، وأنواع متعددة من النماذج، وخيارات متنوعة للنشر، بهدف تقليل التعرض المفرط لمنظومة جيوسياسية واحدة.
مسؤولية الحكومات والشركات
تمتد هذه المبادئ، بالنسبة إلى الحكومات الأفريقية، إلى ما هو أبعد من القرارات التجارية، لتشمل تحديث الاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي، والاستثمار ــ حيثما يكون ذلك مناسبًا ــ في قدرات سيادية للبيانات والحوسبة السحابية، ووضع قواعد للمشتريات الحكومية تحافظ على قابلية التشغيل البيني، إلى جانب ضمان توجيه تبني الذكاء الاصطناعي لخدمة الأولويات الاقتصادية المحلية بدل خلق تبعيات خارجية يصعب عكسها.
أما الشركات الأفريقية، فعليها التحرك بصورة فورية لرسم خريطة لتعرضها عبر مختلف طبقات منظومة الذكاء الاصطناعي، وتقييم مواطن تأثر عملياتها الأساسية بأي اضطرابات جيوسياسية أو تنظيمية، وإعادة فحص شراكاتها التقنية على أساس لا يقتصر على الأداء والكلفة، بل يشمل أيضًا المرونة وقابلية نقل الأنظمة ومستوى السيطرة الاستراتيجية على المدى الطويل.
وبينما تتسارع المنافسة الأمريكية ــ الصينية، تبدو أمام أفريقيا فرصة لتفادي أخطاء الارتهان المبكر، عبر بناء بنى ذكاء اصطناعي قابلة للتكيف ومتعددة المسارات. فالمعركة المقبلة لن تُحسم فقط بمن يملك النموذج الأقوى، بل بمن يستطيع تشغيل الذكاء الاصطناعي بأمان، وتكلفة مناسبة، واستقلالية أكبر، مهما تغيرت خريطة التحالفات التكنولوجية العالمية.
المصدر: تقرير معهد مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG Institute)
























