
اتساع الفجوة الأمنية بين نيجيريا ودول الساحل يهدد التعاون الإقليمي
تتسع الهوة السياسية والأمنية بين نيجيريا ودول تحالف الساحل، وهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر، في وقت تواجه فيه البلدان الأربعة تهديدات مسلحة عابرة للحدود.
ويثير تراجع التنسيق الإقليمي مخاوف من استغلال جماعات مسلحة، من بينها تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، للثغرات الناجمة عن تعدد الترتيبات الأمنية وتباعد المواقف السياسية بين دول المنطقة.
وبرزت مظاهر التوتر بين نيجيريا ودول الساحل بوضوح في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما احتجزت بوركينا فاسو 11 من أفراد القوات الجوية النيجيرية بعد هبوط طائرة نقل عسكرية من طراز “سي-130” اضطرارياً في مدينة بوبو ديولاسو، أثناء توجهها إلى البرتغال لإجراء صيانة دورية.
وقالت السلطات في بوركينا فاسو إن الطائرة دخلت مجالها الجوي من دون الحصول على التصاريح المطلوبة، في حين أكدت السلطات النيجيرية أن الهبوط نجم عن عطل فني وأنه تم وفق إجراءات السلامة المعتمدة. وانتهت الأزمة بعد محادثات دبلوماسية أُفرج بموجبها عن الطائرة وطاقمها في 17 ديسمبر/كانون الأول، قبل أن يغادروا بعد يومين متجهين إلى البرتغال عبر غانا.
ولم تُنظر إلى الحادثة باعتبارها خلافاً إجرائياً محدوداً بشأن المجال الجوي فحسب، بل عُدت مؤشراً على عمق التباعد السياسي بين أبوجا والدول الثلاث التي أعادت خلال السنوات الماضية تشكيل تحالفاتها الدفاعية والأمنية بعيداً عن الأطر التقليدية للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس”.
تحالف دول الساحل
وكانت بوركينا فاسو ومالي والنيجر قد أسست “تحالف دول الساحل” في سبتمبر/أيلول 2023 بموجب ميثاق ليبتاكو-غورما، بهدف إقامة إطار للدفاع المشترك وتقديم المساعدة المتبادلة في مواجهة التحديات الأمنية. وفي خطوة عمقت الانقسام داخل غرب أفريقيا، انسحبت الدول الثلاث من “إيكواس” وأصبح انسحابها نافذاً في 29 يناير/كانون الثاني 2025.

ورغم القطيعة السياسية، سعت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا إلى الحد من التداعيات المباشرة للانسحاب، فأعلنت استمرار إعفاء مواطني الدول الثلاث من تأشيرات الدخول، وتمتعهم بحقوق الحركة والإقامة والاستقرار داخل دول المجموعة حتى إشعار آخر.
كما أكدت استمرار التعامل مع السلع والخدمات القادمة من بوركينا فاسو ومالي والنيجر وفق الترتيبات التجارية الإقليمية القائمة، غير أن مستقبل هذه الترتيبات لا يزال يثير تساؤلات واسعة لدى التجار وسائقي الشاحنات والعمال الذين يعتمدون على حركة العبور بين دول المنطقة.
ويتزامن الخلاف الدبلوماسي مع تداخل واضح في التهديدات الأمنية التي تواجهها نيجيريا وجيرانها في منطقة الساحل. فما زالت جماعة بوكو حرام ناشطة في نيجيريا.
وفي مارس/آذار 2025، انسحبت النيجر من القوة المشتركة متعددة الجنسيات التي أُنشئت لمحاربة الجماعات المسلحة في محيط حوض بحيرة تشاد. وبررت الحكومة النيجرية الخطوة بالرغبة في تعزيز حماية أصولها النفطية، إلا أن الانسحاب ترك فجوة في التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب وفي عمليات التنسيق وتبادل المعلومات عبر الحدود.
تداعيات الخلافات
ويرى خبراء أن استمرار نشاط جماعات مسلحة في منطقة ديفا، إلى جانب تراجع التنسيق بين القوات المنتشرة على جانبي الحدود، قد يمنح هذه التنظيمات مساحة أكبر لاستغلال المناطق الحدودية ونقل العناصر والموارد بين نطاقات أمنية لا تعمل بالدرجة نفسها من التعاون.
كما أن ضعف التنسيق قد يعرقل ملاحقة المسلحين الذين ينتقلون من منطقة إلى أخرى، ويحد من قدرة الحكومات على تنفيذ عمليات مشتركة أو تبادل المعلومات في الوقت المناسب.
وتملك نيجيريا حدوداً شمالية طويلة مع النيجر؛ إذ تجاور ولايتا بورنو ويوبي النيجر في الشمال الشرقي، بينما تمتد الحدود غرباً بمحاذاة ولايتي سوكوتو وكاتسينا. ويجعل هذا الامتداد الجغرافي أي تراجع في التعاون الأمني عاملاً مؤثراً في حركة الجماعات المسلحة وفي قدرة السلطات على مراقبة طرق التهريب والتنقل غير النظامي.
وفي مالي، اتخذ المشهد الأمني منحى أكثر اضطراباً في 25 أبريل/نيسان 2026، عندما استهدفت هجمات منسقة عدة مواقع في البلاد. وقُتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في هجوم على منزله بمدينة كاتي القريبة من العاصمة باماكو، وفق ما أعلنته الحكومة المالية.
وشاركت في الهجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، وجبهة تحرير أزواد التي يقودها الطوارق، قبل أن تعلن الجهتان مسؤوليتهما المشتركة. واعتُبر هذا التعاون غير معتاد نظراً لاختلاف أهداف الطرفين، رغم اشتراكهما في معارضة الحكومة العسكرية في مالي.
وتشير هذه التطورات إلى أن الجماعات المسلحة قادرة على بناء ترتيبات ميدانية مؤقتة تتجاوز الاصطفافات السياسية الرسمية، في حين تجد الدول صعوبة متزايدة في المحافظة على آليات أمنية موحدة عبر الحدود. كما تكشف الهجمات عن قدرة الفصائل المسلحة على استغلال التوترات المحلية وتوظيفها في عمليات منسقة تستهدف مؤسسات الدولة وقياداتها.

ولا تقتصر آثار القطيعة السياسية على المجال العسكري، إذ تُعد نيجيريا أكبر اقتصاد في غرب أفريقيا وسوقاً رئيسية للسلع التي تمر عبر ممر الساحل. وترتبط نيجيريا ببوركينا فاسو ومالي والنيجر بأنماط راسخة من التجارة الحدودية وهجرة العمالة، ما يجعل أي تشديد على المعابر أو تغيير في قواعد الحركة مؤثراً في آلاف التجار والعمال وقطاع النقل.
ويواجه العاملون في هذه القطاعات حالة من عدم اليقين بشأن القواعد التي ستنظم حركة الأشخاص والبضائع بعد انسحاب الدول الثلاث من “إيكواس”. ورغم التطمينات المتعلقة باستمرار الترتيبات التجارية وحرية التنقل مؤقتاً، فإن غياب اتفاق سياسي مستقر قد يجعل تطبيق هذه الترتيبات متفاوتاً من معبر إلى آخر، ويزيد كلفة النقل ويعقد سلاسل الإمداد ويرفع احتمالات حدوث تأخير أو قيود جديدة على حركة التجارة.
تفجر الخلاف
وتفجر الخلاف الدبلوماسي الأخير عقب تصريحات للرئيس النيجيري بولا تينوبو في 30 يوليو/تموز 2026، قال فيها إن انعدام الأمن في مالي وبوركينا فاسو والنيجر فاقم التحديات الأمنية التي تواجهها بلاده. ورفضت حكومات الدول الثلاث هذا التقييم، معتبرة أن التهديدات التي تواجهها نيجيريا ودول الساحل واحدة، وأن تحميل دول بعينها مسؤولية تدهور الوضع الأمني يتجاهل تعقيدات المنطقة وتداخل أسباب الأزمة.
وعلى إثر ذلك، التقى وزير خارجية بوركينا فاسو كاراموكو جان-ماري تراوري القائم بالأعمال النيجيري في واغادوغو، بحضور ممثلين عن مالي والنيجر. وقال تراوري إن الدول الثلاث ونيجيريا تواجه التهديد الأمني نفسه، منتقداً ما اعتبره توصيفاً مبسطاً للوضع في دول الساحل.
ويرى محللون أن سلسلة من نقاط الاحتكاك المتتالية أسهمت في تصلب مواقف الأطراف، بدءاً من التهديد بفرض عقوبات عام 2023، مروراً باحتجاز الطائرة النيجيرية في ديسمبر/كانون الأول 2025، ووصولاً إلى تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن التهديدات العابرة للحدود. ومع كل أزمة جديدة، تتراجع فرص الحوار وتزداد صعوبة بناء الثقة بين الحكومات والأجهزة الأمنية.
وتقع منطقة ليبتاكو-غورما عند نقطة التقاء حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتعد من أكثر المناطق تأثراً بنشاط الجماعات المسلحة. ويحذر محللون من أن عدم قدرة أبوجا والعواصم الثلاث على إنشاء قناة اتصال تستمر رغم الخلافات السياسية قد يتيح للمسلحين العاملين في هذه المنطقة التوسع باتجاه شمال نيجيريا، مستفيدين من المساحات الحدودية الواسعة وضعف الحضور الأمني في بعض المناطق.
تباعد سياسي وتحدي أمني
وتكمن المفارقة في أن الدول الأربع تبتعد عن بعضها سياسياً، بينما تظل التهديدات التي تواجهها مترابطة ميدانياً. فجماعات مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لا تتقيد بالحدود الوطنية، ويمكنها استغلال الفجوات بين المناطق التي تديرها ترتيبات أمنية متباينة، كما تستطيع تغيير مساراتها وتحالفاتها وفقاً للضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها.
وبذلك، ينقسم غرب أفريقيا تدريجياً إلى بنيتين أمنيتين لا تتواصلان بما يكفي، رغم أن الخطر الذي تواجهانه واحد وعابر للحدود. وبينما تنشغل الحكومات بالخلافات السياسية وبإعادة ترتيب تحالفاتها، تواصل الجماعات المسلحة استغلال الفراغات الأمنية والتحرك بين الدول والمناطق التي تفتقر إلى آلية مشتركة وفعالة للمراقبة والملاحقة.
ويرى مراقبون أن احتواء هذا المسار يتطلب إعادة فتح قنوات الاتصال بين نيجيريا ودول تحالف الساحل، وتحييد الملفات الأمنية عن الخلافات السياسية، بما يسمح باستئناف التعاون في تبادل المعلومات ومراقبة الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة. فاستمرار الانقسام قد لا يضر بالعلاقات بين الحكومات فحسب، بل قد يمنح الجماعات المسلحة مزيداً من الوقت والمساحة لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نشاطها في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية واقتصادية متزايدة.
المصدر: وكالات























