
الطيب الأحمر… حين تصبح الغربة وطناً ثانياً والموسيقى لغةً للروح
في مدينة “غنت” البلجيكية، حيث تلتقي قنواتها الهادئة بروح العصر الوسيط، يقيم الفنان والمبدع السوداني الطيب الأحمر منذ أكثر من عقدين. لكن روحه، كما يخبرنا، لم تغادر “طابت” أبداً.
هناك، في تلك القرية الصوفية التي نشأ فيها، يجد جذوره التي تمتد عميقاً في تربة التصوف السوداني، حيث الفطرة الصوفية ليست مجرد مذهب، بل حالة وجودية تنساب في الدماء قبل أن تكون اعتقاداً.
يقول الطيب الأحمر: “إن المكون كله صوفي… النشأة في طابت لها طابع خاص، ليس لنا نحن فقط كأحفاد للشيخ عبد المحمود، بل لكل من يعيش في طابت فهو ‘طابتي’، والمتصوف هنا ليس حصراً على طابت، لأن الفطرة السودانية كلها هي فطرة صوفية بحتة”.
هذه النشأة الصوفية لم تكن مجرد خلفية دينية، بل كانت النسيج الذي تشكلت منه شخصيته الفنية. فالأجواء داخل المسجد، والذكر، والحياة العامة، والاحتكاك بالمشايخ، كلها كانت المادة الخام التي صاغت وعيه وإحساسه بالجمال والروحانية.
لكن كيف انتقل هذا الصوفي السوداني من ضفاف النيل إلى ضفاف قنوات غنت؟ كانت البداية مع الدراسة في روسيا، حيث تخصص في أدب اللغة الروسية، وتعلم اللغة وأتقنها، وهنا تبرز علاقة خاصة، علاقة الصدفة التي تقود إلى القدر، في جامعة غنت، ونظراً لمتطلبات دراسية، وجد نفسه يدرس اللغة الهولندية.
ثم تلقى نصيحة من بروفيسوره الأوكراني أليكسي يودين بأن يدخل قسم اللغة العربية، فكان أن اكتشف لغته الأم من زاوية جديدة، زاوية الأجنبي الذي يتعلم العربية ويكتشف تعقيداتها وجمالياتها، هذا الاكتشاف قاده إلى الترجمة، فنجاح المترجم، كما يرى، يعتمد على لغته الأم أولاً، وهنا وجد الطيب الأحمر ضالته.
“اللغة تحمل معها مكونها الفكري والأدبي، وهذا فتح لي زاوية لم أكن أنظر من خلالها للغة العربية”، يقول، وهكذا، تحولت الغربة من مجرد مكان إقامة إلى معمـل فكري، تختلط فيه الروح السودانية بالثقافة الأوروبية، وتتفتح فيه آفاق جديدة للإبداع.

العود صديقٌ ونصير شمه متصوف
العلاقة مع العود لم تكن علاقة عازف تقليدي، بل علاقة محب وباحث ومتصوف، كان العود صديقاً له منذ سنوات طويلة، لكن العلاقة كانت “ودية” فقط، إلى أن جاءت اللحظة التي تحول فيها إلى عشق، يحكي الطيب الأحمر عن بداياته مع آلة العود، وكيف كان يتعامل معها كباحث أكثر منه عازفاً.
أما العلاقة الأعمق، فكانت مع الفنان والموسيقي العالمي نصير شمه، مؤسس “بيت العود”، يقول الطيب: “الجاذب الأكبر كان التشابه الفكري بيننا في نظرته للأشياء”، فنصير شمه بالنسبة له ليس مجرد عازف ماهر، بل متصوف يرى في الخشب روحاً، فالخشب كان شجرة، والشجرة لها روح: تأكل وتشرب وتتنفس وتمارس حياتها كالبشر، ومن هنا، فإن ما تبقى من الخشب هو روح، والروح تتأثر بالطقس والمكان والزمان.
هذا التصور الصوفي للآلة الموسيقية جعل الطيب الأحمر يتعامل مع عوده باحترام المتصوف، فلا يعزف عليه إلا وهو في بيته (الحافظة)، وفي أجواء لا تؤثر سلباً على صوته وحالته.
هذا التشابه الفكري بينهما قاده إلى لقاء مهم في أمستردام، حيث شارك في حفل لعازفي “بيت العود” وأحس بالانتماء إلى هذه المدرسة الموسيقية التي تعتبر العود أكثر من مجرد آلة، إنها وعاء للروح والذاكرة.

“أمي”.. عندما يتحول اللحن إلى دعاء
في 17 مايو/أيار 2026، شهدت مدينة غنت حفلاً موسيقياً مميزاً، حيث قدّم الطيب الأحمر مقطوعة “أمي” للموسيقار الراحل بشير عباس، بمشاركة ثلاثين عازفاً من مختلف الجنسيات، معظمهم أساتذة موسيقى بلجيكيون، لكن هذه المقطوعة ليست مجرد لحن جميل، بل هي قصة حب صوفي لامرأة اسمها “الطاهرة”، والدة بشير عباس.
ويكشف الطيب الأحمر عن السر الذي يخفيه اللحن: في المقطع الثاني من المقطوعة، الذي يتكرر أربع مرات، يخفي بشير عباس اسم والدته “الطاهرة” في نغماته، هذا السر جعل المقطوعة تتحول من مجرد عمل موسيقي إلى إرث عائلي، حيث تسمي أسرة بشير عباس المقطوعة “الطاهرة”، بينما يعرفها الجمهور بـ”أمي”.
وعندما سُئل الطيب الأحمر عن “التصفيق” الذي أضافه للحفل، أجاب بأن ألحان بشير عباس “مقفلة” ولا تسمح بأي إضافة، فكان التصفيق والإيقاع مجرد لمسة خفيفة لتجديد الإحساس دون تشويه النغم الأصلي.
والجميل في الأمر، أن هذه المقطوعة لم تكن مجرد عزف، بل كانت وسيلة للتواصل مع أسرة بشير عباس في السودان، حيث تابعوا الحفل وأحسوا بالفخر، وهكذا، تحوّلت غنت إلى جسر يربط بين سودان الماضي وسودان الحاضر، بين بشير عباس والطيب الأحمر، بين الأصالة والحداثة.

الغربة: خصم وإضافة
الغربة بالنسبة للطيب الأحمر ليست مجرد حالة جغرافية، بل هي علاقة معقدة من الحب والفقد، “الخصم يمكن أن أقول هو ‘البعد’؛ البعد عن المكان، البعد عن المكون الأساسي، البعد عن ‘طابت’ تحديداً”، يقول بحسرة، فطابت ليست مجرد قرية، بل هي ذاكرة وروح وهوية، هو لم يختر مغادرتها، لكن الحياة قادته إلى حيث هو الآن.
في المقابل، تضيف الغربة الكثير: الثقافات الجديدة، الأكاديميا، الموسيقى التي تأخذ بعدها الحقيقي، الأدب الروسي، والترجمة التي تفتح آفاقاً جديدة للفهم والإبداع. كل هذه الإضافات جعلت منه فناناً شاملاً، لا يقتصر على الموسيقى، بل يمتد إلى الأدب والترجمة والبحث الأكاديمي.

سودان القلب
في نهاية الحوار، يوجه الطيب الأحمر تحيته “ليس حصراً على طابت، ولكن لعموم السودان”، ويتمنى أن تكون الآلام التي يمر بها السودان اليوم مجرد غيمة حزينة سوداء تنجلي، ليعود إلى بلده “كما كنا”، هذه العبارة تلخص كل ما يعنيه الطيب الأحمر: إنه فنان مغترب، لكنه لم يغادر السودان يوماً، يحمل وطنه في قلبه، في عوده، في ألحانه، وفي ترجماته، وفي كل نغمة يعزفها في قاعات أوروبا، هناك نفحة من طابت، هناك روح الشيخ عبد المحمود، وهناك حنين لا ينضب إلى أرض النيل والطمبور والذكر.
الطيب الأحمر ليس مجرد فنان سوداني في بلجيكا، بل هو سفير لثقافة لا تعترف بالحدود، وجسر يصل بين الشرق والغرب، وبين الصوفية والموسيقى، وبين الماضي والحاضر، وفي كل ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن للإنسان أن يظل متمسكاً بجذوره وهو يعيش في منفاه؟ الجواب يقدمه الطيب الأحمر بنفسه: بالذاكرة، وبالصوفية التي تعلمه أن الروح لا مكان لها، بل هي في كل مكان، وفي كل نغمة، وفي كل كلمة.
























