
الفنان طارق أبو عبيدة: الغناء فعل مقاوم للحرب (2-3)
خاص – منصة أفريقيا
تحدث الفنان السوداني المخضرم طارق أبو عبيدة، في حوار مطول مع “منصة أفريقيا”، عن أسرار رحلته الفنية بين قاعات معهد الموسيقى والمسرح في الخرطوم ومسارح هولندا، مؤكداً أن سرّ نجاح الموسيقى السودانية في أوروبا يكمن في “غرابتها” وعدم تنازله عن هويته.
ويروي أبو عبيدة، في مستهل الجزء الثاني من حواره، تجربته الفريدة مع الجمهور الهولندي والأوروبي، مؤكداً أن النجاح الذي حققته فرقته الموسيقية المكونة من شباب سودانيين في مهرجانات أوروبا لم يأتِ نتيجة لمحاكاة الأساليب الغربية الرائجة مثل “البوب” أو “الهيب هوب”، بل جاء بفضل “غرابة” الموسيقى السودانية ذاتها.
ويشرح أبو عبيدة هذه المفارقة بقوله إن “الإنسان الأوروبي يتذوق موسيقانا بعمق، لأنها غير متداولة لديه، وهذا الغموض يثير فضوله ويأسر مشاعره”، ويضيف أن المستمع الغربي يشعر بالموسيقى كـ “كيان حسي” قبل أن يفهم الكلمات، لهذا كان تركيزه الدائم على تقديم جودة موسيقية عالية وأداء صوتي صادق يعبّر بصدق عن الشجن السوداني.
ومن أبرز المشاهد التي وثقها أبو عبيدة في ذاكرته، ذلك “الصمت المطبق” الذي يخيم على القاعات الأوروبية أثناء أدائه، ليصفه بعبارة بليغة: “المسرح يكون في حالة صمت مطبق، لدرجة أنك لو ألقيت إبرة لسُمع رنينها”، بينما تتحول الأجواء إلى مرح جماعي ورقص طربي إذا ما أطلقت الفرقة إيقاعاً حماسياً. ويختم هذه الفقرة بتأكيد أن سرّ هذا القبول الكبير يكمن في عدم تنازلهم عن هويتهم، وتقديم الموسيقى السودانية كما هي، بصدقها وشجنها، دون أي مساومات فنية.
وينتقل أبو عبيدة في جزء آخر إلى حديث أكثر تقنية، لكنه يحمل فلسفة جمالية عميقة، حين يتوقف عند آلة العود باعتبارها أيقونة الموسيقى العربية، ليكشف عن خصوصية المدرسة السودانية في العزف، ويوضح أن الميزة الأبرز للسودانيين تكمن في اعتمادهم على “السلم الخماسي” (Pentatonic)، وهو ما يمنح الموسيقى السودانية تلك النكهة الفريدة التي تميزها بوضوح عن العزف الشرقي التقليدي الذي يعتمد على السلم السباعي.
ولكن الأكثر إثارة في حديثه هو تمسكه بفلسفة “خشونة الصوت”، حيث يعلن صراحةً رفضه للمبالغة في تنعيم الأصوات باستخدام برامج المعالجة الرقمية، ويشير إلى تجربته الأخيرة في استوديوهات بلجيكا، حين رفض استخدام تقنيات “الأوتوتيون” أو أي تجميل اصطناعي للصوت، وأصر على إخراج العمل بخامته الأساسية.
خشونة الصوت
ويبرر ذلك برؤية فنية واضحة: “أنا أنحاز دوماً لما أسميه خشونة الصوت؛ فأنا ضد المبالغة في تنعيم الآلات أو الأصوات البشرية تقنياً، فخشونة الوتر وحركة الريشة خاصية تمنح الموسيقى هويتها”، معتبراً أن إبقاء الآلات الوترية والإيقاعية مثل “البونقز” الثلاثي السوداني على طبيعتها هو السبيل الوحيد لإيصال الإحساس الحقيقي للمستمع.
وفي محطة أخرى من الحوار، يتوقف أبو عبيدة عند تطور منهجه الفني منذ تخرجه من معهد الموسيقى والمسرح، ليكشف عن تحول جوهري في نظرته للتأليف الموسيقي. فبينما كان يميل في الماضي لتلحين القصائد الطويلة ذات التوزيع المتشعب التي تمتد لأكثر من سبع دقائق، فإنه اليوم يميل إلى الأغنية القصيرة والمكثفة التي لا تتجاوز أربع دقائق، معتبراً أن هذا التحول تفرضه طبيعة العصر السريع، حيث لم يعد المستمع يمتلك الصبر الكافي للاستماع لأعمال مطولة.
ورغم هذا التطور، إلا أنه يشدد على الأهمية القصوى للدراسة الأكاديمية في المعهد، مؤكداً أنها كانت جوهرية في منحه القدرة على تفكيك الموسيقى وفهم مقاماتها وتقاسيمها بعلمية. ويقول في هذا السياق: “الفرق بين المبدع وغيره هو القدرة على ترجمة هذا العلم الأكاديمي إلى إبداع ملموس”.
ويختتم طارق أبو عبيدة الحلقة الأولى بالحديث عن الدور الأكثر إيلاماً وإلحاحاً في مسيرته، وهو علاقة الفن بالحرب والواقع السياسي في السودان، وينفي الفنان أن تكون أغانيه سياسية بالمعنى الضيق الحزبي، مؤكداً أنها أغانٍ تعبّر عن “الشارع السوداني” والإنسان البسيط الذي يعاني ويلات الحروب المتواصلة منذ الاستقلال.
ويحدد دور الفن في هذه اللحظة العصيبة بأنه “توصيف حالة الأسى والحزن والفقد، وتوثيق ذكريات الطفولة والمناطق التي دمرتها الحرب”، مشدداً على أن الفنان الحقيقي يجب أن يكون ضد الحرب مهما كانت أطرافها.
ويستعرض نماذج من أعماله مثل أغنية “أوعك تخاف” التي استنهضت الفعل الثوري، وأغنية “أماني سيب بلدي وحبيبتي” التي جسّدت عمق الأسى والفقدان.
وفي مشهد مؤثر، يعبر أبو عبيدة عن حلمه بعودة السودان إلى مدنيته، واستعادة روح “السودان السمح” الذي تربى عليه بقيم الآباء والأمهات، ويختتم هذه الفقرة برسالة أمل قوية: “الغناء هو فعل تفاؤل ومقاومة للحرب، وسنظل نغني ليظل الأمل قائماً”.


























إرسال التعليق